Accueilبالعربيةقطر ومضيق هرمز:...

قطر ومضيق هرمز: من دبلوماسية الوساطة إلى هندسة التوازنات الإقليمية – بقلم إسحاق هموش

الدوحة تطرح معادلة أمنية تتجاوز منطق التصعيد

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتجاوز فيها تداعيات أي اضطراب في مضيق هرمز حدود الخليج لتطال أمن الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي، تعيد دولة قطر التأكيد على مقاربة دبلوماسية تقوم على مبدأ واضح: أمن المضيق يجب ألا يكون خاضعاً لمنطق التصعيد أو الابتزاز السياسي، بل ينبغي أن يكون جزءاً من منظومة أمن إقليمي جماعية تحمي حرية الملاحة وتحفظ مصالح دول المنطقة والمجتمع الدولي في آن واحد. وقد أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية، الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري، أن قطر تدعم كل صيغة تضمن أمن مضيق هرمز وحرية الملاحة فيه وتحول دون استخدامه أداة للضغط السياسي، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن المضيق لا تزال مستمرة. كما شددت الدوحة على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقاً إقليمياً مشتركاً، وهي عبارة تبدو، في ظاهرها، جزءاً من اللغة الدبلوماسية المعتادة، لكنها تحمل في السياق الراهن دلالة استراتيجية أعمق بكثير، لأنها تعكس تصوراً قطرياً متنامياً يعتبر أن أمن الخليج لا يمكن أن يستقر بصورة دائمة من خلال تفوق طرف على آخر، ولا عبر إدارة الأزمات العسكرية الواحدة تلو الأخرى، وإنما من خلال بناء شبكة من التفاهمات والضمانات تجعل الحوار أقل كلفة من المواجهة، وتمنع تحول الممرات الحيوية إلى أوراق في صراعات النفوذ.

هرمز… شريان استراتيجي تتجاوز أهميته حدود الخليج

وتكمن حساسية مضيق هرمز في أنه ليس مجرد ممر جغرافي أو بحري، بل إحدى أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره كميات هائلة من صادرات الطاقة، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن يتحول خلال فترة قصيرة من أزمة أمنية خليجية إلى أزمة اقتصادية دولية، بما يحمله ذلك من انعكاسات على أسعار الطاقة والنقل البحري والتأمين وسلاسل الإمداد والتضخم والأسواق المالية. ومن هنا يمكن قراءة إصرار الدوحة على الجمع بين ثلاثة عناصر مترابطة: أمن المضيق، وحرية الملاحة، ورفض استخدامه أداة للضغط السياسي. فهذه العناصر تكشف عن رؤية تتجاوز معالجة الأزمة الآنية نحو محاولة تثبيت قاعدة أكثر استدامة، تقوم على تحييد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي عن المواجهات السياسية والعسكرية قدر الإمكان. وإذا كان القانون الدولي يوفر الإطار القانوني لحرية الملاحة، فإن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الجغرافيا إلى أداة تفاوض، ويصبح مرور السفن أو تعطيلها جزءاً من معادلة الردع والضغط المتبادل. ولهذا فإن الموقف القطري لا يتعامل مع هرمز بوصفه قضية إيرانية أو خليجية فحسب، وإنما باعتباره مسألة ترتبط مباشرة باستقرار النظام الاقتصادي الدولي.

مسقط وطهران والدوحة… شبكة وساطة إقليمية تتشكل بهدوء

وفي هذا السياق تكتسب المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان أهمية خاصة بالنظر إلى الخبرة الطويلة التي راكمتها مسقط في فتح قنوات الاتصال خلال عدد من أكثر أزمات المنطقة تعقيداً، فيما يحمل حرص قطر على دعم هذا المسار دلالة سياسية لافتة. فالدوحة لا تبدو معنية بتقديم نفسها باعتبارها منافساً للوسطاء الآخرين، بل تتحرك ضمن ما يمكن وصفه بشبكة وساطة إقليمية تستطيع فيها عواصم مثل الدوحة ومسقط العمل في مساحات مختلفة ومتكاملة. وهذه المقاربة مهمة خصوصاً عند التعامل مع إيران، لأن الأزمات المرتبطة بطهران غالباً ما تكون متعددة المستويات والأطراف، بحيث يصبح وجود أكثر من قناة اتصال ميزة وليس عائقاً، شرط أن تتكامل الأدوار بدلاً من أن تتنافس. ومن هذه الزاوية، يصبح تأكيد قطر أن أمن المنطقة «مسؤولية جماعية» تعبيراً عن فلسفة سياسية تتجاوز الملف البحري نفسه، لأنها ترفض عملياً فكرة أن أمن الخليج يمكن أن يُدار بصورة أحادية أو أن يقوم بصورة دائمة على عزل دولة أساسية في الإقليم، وتطرح بدلاً من ذلك تصوراً يقوم على إدارة الخلافات ضمن قواعد تمنع انتقالها إلى مواجهة مفتوحة.

من الخليج إلى العالم… الوساطة تتحول إلى علامة فارقة للدبلوماسية القطرية

غير أن أهمية الموقف القطري تتجاوز مضيق هرمز بكثير، لأن الوساطة خلال السنوات الأخيرة تحولت تدريجياً من أداة تستخدمها السياسة الخارجية القطرية في بعض الملفات إلى واحدة من أبرز ركائز الحضور الدولي للدولة. فمن غزة إلى أفغانستان، ومن الاتصالات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة إلى الملفات الإنسانية المتصلة بروسيا وأوكرانيا، ومن التوترات في جنوب آسيا إلى منطقة البحيرات العظمى في أفريقيا، بنت الدوحة رصيداً متزايداً في مجال التفاوض واستضافة المحادثات وفتح القنوات بين أطراف يصعب أحياناً جمعها بصورة مباشرة. ولم يعد اسم قطر يظهر فقط عندما تحتاج الأطراف إلى مكان لاستضافة اجتماع، بل عندما تحتاج إلى قناة قادرة على نقل الرسائل، أو صياغة مقترحات وسطية، أو بناء مستوى أولي من الثقة يسمح بالانتقال من المواجهة إلى التفاوض. وهذا التحول مهم للغاية، لأنه يعني أن الوساطة القطرية بدأت تتجاوز حدود الملفات المنفردة لتصبح جزءاً من صورة الدولة وموقعها في العلاقات الدولية.

سرّ القدرة القطرية: الحديث مع أطراف لا تتحدث مع بعضها

وقد أظهرت التجارب المتراكمة أن الوساطة الناجحة لا تحتاج فقط إلى علاقات جيدة مع الأطراف، بل تحتاج بصورة أساسية إلى القدرة على الاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف متعارضة في الوقت نفسه، وهنا تكمن إحدى أهم خصائص الدبلوماسية القطرية. فالدوحة استطاعت، بدرجات متفاوتة بحسب كل ملف، أن تتحدث مع قوى غربية وإقليمية، ومع حكومات وحركات سياسية ومسلحة، وأن توفر مساحة يمكن أن تنتقل عبرها الرسائل عندما يصبح الاتصال المباشر صعباً أو مستحيلاً. وقد تبدو هذه العلاقات المتعددة والمتقاطعة متناقضة لمن ينظر إليها من زاوية التحالفات التقليدية، لكنها بالنسبة إلى دولة جعلت من الوساطة إحدى أدوات سياستها الخارجية تمثل رأس مال دبلوماسياً حقيقياً. فالوسيط لا يصبح ضرورياً عندما تكون العلاقات بين الأطراف جيدة، بل عندما تنهار تلك العلاقات ويصبح مجرد إيصال رسالة من طرف إلى آخر مشكلة سياسية في حد ذاتها. ومن هنا يمكن فهم الاستثمار القطري الطويل في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، لأن كل قناة تبقى قائمة أثناء الأزمة قد تتحول لاحقاً إلى طريق للمفاوضات.

«قوة الوصول السياسي»… نفوذ لا يقاس بحجم الدولة

ولا يعني ذلك أن قطر قادرة على فرض الحلول على الأطراف المتنازعة، فليس بمقدور أي وسيط، مهما بلغ نفوذه، أن يفرض بمفرده اتفاقاً على إيران أو الولايات المتحدة أو أطراف الحرب في غزة أو القوى المتصارعة في أفريقيا. لكن قيمة الوساطة لا تُقاس دائماً بقدرتها على فرض النتيجة النهائية، وإنما بقدرتها على منع انهيار الاتصال، ونقل مقترحات لا يستطيع الخصوم تبادلها مباشرة، وتوفير ضمانات سياسية أو لوجستية تسمح ببدء التفاوض، وإعادة الأطراف إلى الطاولة بعد جولات التصعيد. وفي هذه المساحة تحديداً بنت قطر جزءاً مهماً من وزنها الدبلوماسي. إنها صيغة مختلفة للقوة، لا تعتمد على الحجم الجغرافي أو الديموغرافي وحده ولا على القوة العسكرية التقليدية، وإنما على ما يمكن تسميته بـ«قوة الوصول السياسي»، أي القدرة على الوصول إلى أطراف متعارضة في الوقت نفسه، والاحتفاظ بمستوى من الثقة يسمح باستخدام هذه العلاقات عندما تصبح الحاجة إلى الوسيط ملحّة. وكلما ازدادت الاستقطابات الدولية، ارتفعت قيمة الدول التي تستطيع التحدث مع أكثر من محور من دون أن تفقد قدرتها على التواصل مع الآخر.

مضيق هرمز… الاختبار الأصعب لنموذج الوساطة القطرية

ولهذا يمثل مضيق هرمز اختباراً مهماً لهذا النموذج الدبلوماسي، لأن الملف يجمع تقريباً كل عناصر الأزمات التي تحتاج إلى إدارة شديدة الدقة: إيران والولايات المتحدة ودول الخليج، وأمن الطاقة والملاحة الدولية، والقانون الدولي ومخاطر المواجهة العسكرية، إضافة إلى الدور العُماني ومصالح القوى الكبرى التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على استقرار حركة التجارة والطاقة في المنطقة. وعندما تتحدث قطر عن ضرورة ضمان أمن المضيق وحرية الملاحة ومنع تحويله إلى وسيلة ضغط سياسي، فإنها ترفع مستوى النقاش من معالجة أزمة ظرفية إلى البحث عن قاعدة أكثر استدامة لإدارة واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم. والسؤال الاستراتيجي هنا هو ما إذا كان من الممكن الانتقال من ترتيبات مؤقتة مرتبطة بأزمة محددة إلى تفاهم إقليمي أوسع يجعل حرية الملاحة في هرمز مصلحة محمية بصورة جماعية، بحيث يصبح استقرار المضيق جزءاً من بنية الأمن الإقليمي وليس رهينة لتقلبات المواجهة بين القوى.

من وساطة الملفات إلى المشاركة في هندسة إدارة الأزمات

ولعل التطور الأكثر إثارة للاهتمام في السياسة الخارجية القطرية هو انتقالها التدريجي من وساطة الملفات إلى محاولة المشاركة في إدارة بنية الأزمات نفسها. فهناك فرق كبير بين أن تتدخل دولة للمساعدة في إنهاء أزمة محددة، وبين أن تصبح جزءاً من المنظومة الدبلوماسية التي يُلجأ إليها بصورة متكررة عندما تقع الأزمات. الأولى مهمة مؤقتة تنتهي بانتهاء الملف، أما الثانية فهي مكانة سياسية تتراكم بمرور الوقت. والدوحة تبدو اليوم أقرب إلى النموذج الثاني، لأن كل نجاح تفاوضي يضيف إلى رصيد يمكن استخدامه في الملف التالي، وكل أزمة تتمكن فيها قطر من الاحتفاظ بعلاقاتها مع الأطراف المتعارضة توسع شبكة الثقة التي تحتاج إليها في أزمات لاحقة. وهكذا تتحول الوساطة تدريجياً من مجموعة مبادرات منفصلة إلى بنية نفوذ دبلوماسي، لكن هذا النفوذ يبقى مرتبطاً بشرط بالغ الصعوبة: الحفاظ على ثقة الأطراف المختلفة وعدم الانتقال من موقع الوسيط القادر على التواصل مع الجميع إلى موقع الطرف الذي يُنظر إليه باعتباره منحازاً بصورة تمنعه من أداء هذه الوظيفة.

أمن الخليج أمام سؤال استراتيجي: الردع وحده أم المسؤولية الجماعية؟

وفي خلفية الموقف القطري من هرمز توجد قضية أكبر تتعلق بشكل النظام الأمني الذي سيحكم الخليج خلال السنوات المقبلة. فقد أثبتت أزمات المنطقة المتكررة أن التصعيد في الخليج لا يبقى محصوراً داخله، لأن أي مواجهة واسعة يمكن أن تضرب أسواق الطاقة والنقل البحري وسلاسل الإمداد والاستثمار، وأن تضع القوى الدولية أمام ضغوط اقتصادية وأمنية هائلة. ولذلك، عندما تؤكد الدوحة أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، فإنها تطرح بصورة غير مباشرة سؤالاً استراتيجياً يتعلق بإمكانية بناء أمن إقليمي لا يعتمد حصراً على ميزان القوة والردع، بل يضيف إليهما آليات دائمة للحوار وإدارة الأزمات وضمان الممرات الحيوية. وعند هذا المستوى تتجاوز قضية هرمز مسألة السفن التي تمر عبر المضيق لتصبح جزءاً من النقاش الأوسع حول مستقبل الخليج: هل يستمر الإقليم في إدارة أمنه عبر دورات متعاقبة من الردع والتصعيد، أم يستطيع بناء منظومة تسمح للقوى المتنافسة بالاحتفاظ بخلافاتها من دون أن تتحول تلك الخلافات في كل مرة إلى تهديد للاستقرار الإقليمي والدولي؟

نفوذ متصاعد يرفع في المقابل سقف المسؤولية

إن اتساع الدور القطري يمنح الدوحة نفوذاً متزايداً، لكنه يضع عليها في الوقت ذاته مسؤولية أكبر، لأن الوسيط الذي يصبح مطلوباً في ملفات عديدة يواجه بصورة حتمية ارتفاعاً في سقف التوقعات، والنجاح في وساطة لا يضمن النجاح في أخرى، إذ لكل نزاع توازناته وحساباته وقواه المحلية والإقليمية والدولية. ومع ذلك، فإن ما راكمته قطر خلال السنوات الماضية منحها موقعاً يصعب تجاهله: دولة محدودة المساحة والسكان استطاعت أن تبني قدرة دبلوماسية تتجاوز بكثير حجمها الجغرافي والديموغرافي، عبر الاستثمار المستمر في الوساطة وشبكات الاتصال والدبلوماسية متعددة المسارات. والرهان القطري يبدو واضحاً: في عالم تتكاثر فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة بين القوى الكبرى والإقليمية، ستصبح القدرة على جمع الخصوم حول طاولة واحدة مورداً استراتيجياً بحد ذاته، وربما إحدى أكثر أدوات النفوذ قيمة في النظام الدولي الجديد.

هرمز بوابة لاختبار رؤية قطر لمستقبل الأمن الإقليمي

وما يجري حول مضيق هرمز، في نهاية المطاف، ليس مجرد خلاف على ممر مائي، بل مواجهة بين منطقين مختلفين لإدارة القوة: منطق يعتبر الممرات الاستراتيجية أدوات يمكن استخدامها في صراعات النفوذ، ومنطق يسعى إلى تحييدها ووضعها ضمن قواعد تضمن أمن الجميع. وقطر، من خلال موقفها المعلن، اختارت بوضوح الدفاع عن المنطق الثاني. وفي الوقت الذي تستمر فيه المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان، تدفع الدوحة باتجاه صيغة تجعل أمن المضيق وحرية الملاحة فيه جزءاً من مسؤولية إقليمية مشتركة لا ورقة في يد طرف ضد آخر. لكن الدلالة الأهم ربما تتجاوز هرمز نفسه، لأن الذي يتبلور أمامنا هو نموذج لدولة جعلت من الوساطة إحدى أدوات قوتها الاستراتيجية، ووسعت خريطة حضورها الدبلوماسي من الشرق الأوسط إلى آسيا وأفريقيا، بحيث أصبح اسم الدوحة يظهر بصورة متزايدة بوصفها مكاناً للحوار أو طرفاً مسهلاً أو وسيطاً في أزمات دولية شديدة التعقيد. وإذا استطاعت قطر الحفاظ على هذه القدرة وعلى ثقة الأطراف المتناقضة، فإنها لن تكون مجرد وسيط في أزمات متفرقة، بل قد تكرس موقعها كإحدى العواصم التي تساهم في صياغة قواعد إدارة الأزمات في نظام دولي يزداد اضطراباً. وهنا تحديداً تكمن أهمية موقفها من هرمز: فالمضيق بالنسبة إلى الدوحة ليس مجرد اختبار لحرية الملاحة، بل اختبار لفكرة كاملة عن الأمن الإقليمي، أمن لا يصنعه طرف بمفرده، ولا تحميه القوة وحدها، وإنما تبنيه أيضاً القدرة على إبقاء باب السياسة مفتوحاً عندما توشك جميع الأبواب الأخرى على الإغلاق.

Annonce publicitairespot_img

Catégories