Accueilبالعربيةالدولة المستهدفة من...

الدولة المستهدفة من الداخل: كيف نتعرف على علامات زعزعة الاستقرار قبل فوات الأوان؟ – بقلم إسحاق هموش

لا تبدأ الحروب الحديثة دائماً بغزو عسكري أو قصف جوي أو إعلان رسمي للحرب. فقد تحتفظ الدولة بحدودها وحكومتها وجيشها ومؤسساتها، بينما تتعرض في الوقت نفسه لمسار تدريجي يهدف إلى إضعافها من الداخل. وفي هذا النوع من المواجهات، لا تبقى الأرض الهدف الوحيد، بل تصبح الثقة الجماعية التي تسمح للمجتمع بالعمل وحل خلافاته واتخاذ قراراته السيادية هدفاً استراتيجياً قائماً بذاته.

عندما يفقد المواطنون ثقتهم في المؤسسات، ويُفسر كل حدث بوصفه مؤامرة، ولا يعود المجتمع قادراً على الاتفاق بشأن حقائق أساسية مشتركة، يمكن إضعاف الدولة بصورة عميقة من دون أن يعبر جندي أجنبي واحد حدودها. وتتناول الدراسات الحديثة هذه الظاهرة تحت تسميات متعددة، منها التهديدات الهجينة، والحرب المعرفية، وعمليات التأثير، والتدخل الأجنبي، والتخريب الأيديولوجي، والتلاعب بالمعلومات.

الحروب الحديثة لا تبدأ دائماً بإعلان رسمي

لم تعد السيادة الوطنية تُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها من العدوان العسكري، بل أصبحت تعتمد أيضاً على قدرتها على حماية مؤسساتها واقتصادها وبنيتها التحتية ومجالها المعلوماتي وآليات اتخاذ القرار. وقد تسعى قوة معادية إلى التأثير في خيارات دولة أخرى من دون احتلالها، وذلك باستغلال نقاط ضعفها الداخلية ونشر مناخ مستمر من الشك وانعدام الثقة.

لا يكون الهدف دائماً إقناع السكان بتبني أيديولوجية بعينها. ففي بعض الحالات، يكفي جعل اتخاذ أي قرار جماعي أمراً مستحيلاً. وعندما يُصوَّر كل مسؤول سياسي بوصفه خائناً، وكل قاضٍ بوصفه فاسداً، وكل صحفي بوصفه مأجوراً، وكل معارض بوصفه عميلاً، يفقد المجتمع تدريجياً قدرته على التمييز بين النقد المشروع والهدم المنظم للثقة العامة.

تتحول زعزعة استقرار الدولة من الداخل، في هذه الحالة، إلى عملية تراكمية تتقدم من خلال أزمات تبدو في الظاهر منفصلة: فضائح، وشائعات، وهجمات سيبرانية، وضغوط اقتصادية، وصراعات اجتماعية، واغتيالات سياسية، وحملات رقمية وضغوط دبلوماسية. وقد يكون لكل واقعة سبب مستقل، لكن تزامن هذه الأحداث وتنسيقها وتوجيهها نحو هدف استراتيجي واحد قد يجعلها أجزاءً من عملية هجينة أوسع.

استغلال نقاط الضعف القائمة بدلاً من اختراعها

لا تحتاج عمليات زعزعة الاستقرار الأكثر فاعلية إلى اختراع مشكلات غير موجودة، بل تبحث عن صعوبات حقيقية ثم تعمل على تضخيمها إلى أن تصبح قابلة للانفجار السياسي. فالبطالة، والفساد، والتفاوت بين المناطق، وتراجع الخدمات العامة، والشعور بالظلم، وتهميش الشباب، والصراعات المرتبطة بالهوية، كلها نقاط ضعف داخلية يمكن أن تظهر في أي مجتمع من دون أن تكون قوة أجنبية مسؤولة عنها.

غير أن فاعلاً معادياً يستطيع تحويل هذه المشكلات إلى أدوات ضغط إذا امتلك الموارد المالية أو التكنولوجية أو الإعلامية أو الاستخباراتية اللازمة. ويمكنه تمويل وسطاء محليين، وإنشاء وسائل إعلام مزيفة، وتشغيل حسابات رقمية تدعي تمثيل المواطنين، وتسريب وثائق محرفة، أو استغلال أزمة اجتماعية لدفع الدولة إلى رد فعل مفرط.

يتمثل الهدف في إقناع كل فئة بأن مشكلاتها لم تعد قابلة للحل داخل الإطار المؤسسي. وهكذا تتحول الصعوبات الاقتصادية إلى أزمة شرعية، والخلافات السياسية إلى كراهية مرتبطة بالهوية، والنقد الضروري للسلطة إلى رفض مطلق للدولة. ويبلغ هذا المسار أخطر مراحله عندما يبدأ المواطنون في النظر إلى مواطنيهم الآخرين باعتبارهم أعداءً لا يمكن التعايش معهم.

ثلاثة معايير للكشف عن عملية حقيقية لزعزعة الاستقرار

لا تثبت الأزمة الداخلية تلقائياً وجود تدخل أجنبي. وحتى تصبح هذه الفرضية جدية، ينبغي اجتماع ثلاثة عناصر: وجود هشاشة داخلية قابلة للاستغلال، ووجود سلوك منسق يمكن ربطه بفاعل منظم، ووجود أثر استراتيجي مقصود يستهدف سيادة الدولة أو استقرارها.

ولا يكفي ظهور عنصر واحد منها. فقد تكون البطالة مشكلة وطنية لا علاقة لها بأي تدخل خارجي، وقد تنظم جماعات محلية حملة رقمية من دون ارتباطها بدولة أجنبية، كما يمكن لدولة خارجية أن تستفيد من أزمة لم تخطط لها ولم تتسبب فيها. إن تلاقي الأدلة التقنية والمالية والسياسية والعملياتية هو ما يسمح بالتمييز بين أزمة تلقائية واستراتيجية منظمة لزعزعة الاستقرار.

هذا التمييز ضروري لتجنب السقوط في التفكير التآمري الذي ينسب كل احتجاج أو تغير اجتماعي إلى «يد خفية». وفي المقابل، فإن رفض احتمال التدخل الخارجي بصورة مسبقة قد يجعل الدولة عاجزة عن اكتشاف عملية حقيقية تجري أمامها.

نموذج يوري بيزمينوف: إنذار مفيد وليس قانوناً علمياً

قدّم يوري بيزمينوف، المعروف أيضاً باسم توماس شومان، خلال ثمانينيات القرن الماضي نموذجاً للتخريب الأيديولوجي يتكون من أربع مراحل: نزع المعنويات، وزعزعة الاستقرار، والأزمة، ثم «التطبيع». ووفق تصوره، تستهدف المرحلة الأولى إضعاف القيم المشتركة والثقة وقدرة السكان على التمييز بين الوقائع والدعاية. وتركز المرحلة الثانية على المؤسسات والاقتصاد والأمن والعلاقات الاجتماعية. أما المرحلة الثالثة فتتمثل في أزمة سريعة قد تؤدي إلى قطيعة سياسية أو مؤسسية، في حين تشير المرحلة الأخيرة إلى تثبيت نظام جديد وتقديمه بوصفه عودة إلى الوضع الطبيعي.

تكمن أهمية هذا النموذج في لفت الانتباه إلى الزمن الطويل وإلى البعد النفسي للصراع، لكنه لا ينبغي أن يُعامل باعتباره قانوناً عاماً. فليس كل تغير ثقافي نتيجة لتدخل أجنبي، وليست كل حركة اجتماعية محاولة تخريب، ولا تشكل كل أزمة سياسية المرحلة الثالثة من خطة سرية.

لا تتمثل القيمة الفعلية لنموذج بيزمينوف في قدرته المزعومة على التنبؤ بانهيار المجتمعات، بل في دعوته إلى دراسة الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل الثقة العامة وإدراك الواقع والقدرة على التسوية إلى أهداف استراتيجية.

من التخريب الأيديولوجي إلى التهديدات الهجينة

يشير مفهوم التهديدات الهجينة إلى الجمع المنسق بين وسائل عسكرية وغير عسكرية، علنية وسرية، بهدف إضعاف الخصم من دون تجاوز عتبة الحرب الرسمية بالضرورة. ووفقاً لما توضحه منظمة حلف شمال الأطلسي في دراساتها المتعلقة بالتهديدات الهجينة، يمكن أن تشمل هذه الوسائل التضليل الإعلامي، والهجمات السيبرانية، والضغط الاقتصادي، واستخدام جماعات غير نظامية، وتنفيذ عمليات سياسية سرية.

ويشير المركز الأوروبي للتميز في مكافحة التهديدات الهجينة إلى أن قوة هذه الأنشطة تكمن في غموضها واستمراريتها وقدرتها على استغلال نقاط ضعف المجتمع المستهدف. وقد يبدو كل فعل محدوداً إذا دُرس منفرداً، لكن تراكم الأفعال يمكن أن ينتج تأثيراً استراتيجياً كبيراً.

لذلك لا يُقاس الخطر بحجم كل حادث منفصل فقط، بل بمدى الترابط بين الحوادث وتوقيتها والجهات المستفيدة منها والاتجاه العام الذي تدفع الدولة نحوه. فالهجوم السيبراني على إدارة حكومية أو انتشار شائعة اقتصادية أو اندلاع احتجاج اجتماعي لا يثبت وجود عملية هجينة ما دام حدثاً معزولاً. لكن تزامنه مع حملة تضليل وضغط دبلوماسي وتمويل سري يغير طبيعة التقييم جذرياً.

الحرب المعرفية: استهداف القدرة على الفهم

تتجاوز الحرب المعرفية حدود الدعاية التقليدية، لأنها تستهدف الطريقة التي يدرك بها الأفراد الواقع ويقيمون المعلومات ويتخذون القرارات. وتوضح دراسات حلف شمال الأطلسي حول الحرب المعرفية أن الهدف قد يتمثل في إضعاف العقلانية الجماعية واستغلال نقاط الضعف النفسية والاجتماعية.

تشمل أدوات الحرب المعرفية نشر روايات متناقضة، وتوزيع محتوى عاطفي، وتزوير الوثائق، واستخدام حسابات وهمية، وإنتاج مقاطع فيديو مفبركة، وتكرار الادعاء حتى يبدو مألوفاً وقابلاً للتصديق. ولا تكون النتيجة المطلوبة دائماً إقناع الجمهور برواية المهاجم، بل قد يكون الهدف إقناعه بأنه لا توجد جهة تقول الحقيقة.

عندما يعتقد المواطن أن الإعلام والقضاء والحكومة والمعارضة والمجتمع المدني تكذب جميعها بالدرجة نفسها، يصبح أكثر قابلية للخطابات المتطرفة وردود الفعل الانفعالية. ويصعب على السكان اتخاذ قرارات عقلانية إذا فقدوا الحقائق المشتركة، حتى عندما تظل الانتخابات والمؤسسات الديمقراطية قائمة من الناحية الشكلية.

التلاعب بالمعلومات أصبح بنية دولية منظمة

لم يعد التلاعب بالمعلومات ظاهرة هامشية. فقد وثقت الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية مئات الحوادث المرتبطة بالتلاعب الأجنبي بالمعلومات والتدخل في المجال الإعلامي عبر عدد كبير من البلدان، وبمشاركة عشرات الآلاف من الحسابات الرقمية.

وتعتمد هذه العمليات على مواقع تنتحل صفة مؤسسات إعلامية معروفة، وحسابات تقدم نفسها بوصفها أصواتاً محلية، وبنية تقنية تسمح بنشر الرواية نفسها بصورة متزامنة عبر عدة منصات. وقد تنشر الشبكة الواحدة خطابين متعارضين، لأن هدفها لا يتمثل دائماً في الدفاع عن فكرة متماسكة، بل في مضاعفة الصراعات وتعميق الانقسام وجعل كل حقيقة موضع شك.

وفي سبتمبر 2024، أعلنت وزارة العدل الأمريكية إحباط عملية تأثير سرية نسبت إلى الحكومة الروسية. وبحسب الوثائق القضائية، استُخدمت في العملية مواقع تنتحل هوية وسائل إعلام، وحسابات وهمية، ومؤثرون، وإعلانات مدفوعة، ومحتويات مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. ولا يعني ذلك أن كل حملة يجب أن تنسب إلى روسيا، لكنه يقدم مثالاً على درجة تطور الوسائل المستخدمة حالياً.

هشاشة الدولة ظاهرة متعددة الأبعاد

لا يمكن اختزال ضعف الدولة في وضعها الأمني وحده. إذ تعرف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في تقريرها عن حالات الهشاشة لعام 2025 الهشاشة بأنها اجتماع التعرض للمخاطر مع قصور قدرة الدولة أو المجتمع أو الجماعات المحلية على إدارتها أو امتصاصها أو الحد من آثارها.

ويغطي إطار المنظمة ستة أبعاد مترابطة: الاقتصادي، والسياسي، والأمني، والمجتمعي، والإنساني، والبيئي. فقد تبدأ الأزمة بالبطالة أو الجفاف أو كارثة مناخية أو تراجع خدمة عامة، ثم تتحول إلى أزمة شرعية عندما تعجز المؤسسات عن تقديم استجابة مقنعة وعادلة.

تسمح هذه المقاربة بفهم سبب قدرة بعض المجتمعات على مقاومة ضغوط خارجية قوية، بينما تصبح مجتمعات أخرى عرضة لعمليات محدودة نسبياً. وغالباً ما يكمن الفارق في قدرة المؤسسات على امتصاص الصدمات والاعتراف بالمشكلات والمحافظة على ثقة الجمهور.

يبدأ نزع المعنويات عندما يختفي الإيمان بالمستقبل

لا يكون المجتمع منزوع المعنويات لمجرد أنه ينتقد حكامه، لأن النقد قد يكون دليلاً على حيوية المجتمع وشعوره بالمسؤولية. ويظهر نزع المعنويات الحقيقي عندما تفقد فئات واسعة من السكان إيمانها بإمكان بناء مستقبل داخل بلدها.

يتجلى ذلك عندما لا تعود الدراسة مؤدية إلى عمل، ولا يسمح العمل بالعيش الكريم، وتبدو العلاقات الشخصية أكثر أهمية من الكفاءة، ويشعر المواطن بأن القانون يُطبق بطريقة مختلفة تبعاً للمكانة الاجتماعية. وقد تصبح الهجرة في هذه الحالة أكثر من مجرد بحث عن ظروف اقتصادية أفضل، إذ تتحول إلى تصويت رمزي ضد النظام الوطني.

لا تحتاج القوة الخارجية إلى خلق هذا اليأس. يكفيها استغلاله وترسيخه وإقناع الشباب باستحالة أي إصلاح داخلي. ولهذا يجب النظر إلى توفير فرص العمل، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين المناطق، وإمكان الارتقاء المهني، باعتبارها عناصر من الأمن الوطني وليست ملفات اجتماعية منفصلة عنه.

الهجرة الجماعية قد تتحول إلى أداة للضغط

ينبغي تحليل حركات الهجرة بحذر لأن أسبابها متعددة عادةً: الفقر، والبطالة، والنزاعات، والتغير المناخي، والشبكات الإجرامية، والتطلعات الفردية، والقرب الجغرافي من مناطق أكثر ازدهاراً. ولذلك لا تشكل كل موجة هجرة عملية عدائية.

غير أن الهجرة قد تتحول إلى أداة ضغط عندما تنشر جهات منظمة معلومات كاذبة بشأن فتح الحدود، أو تنسق تحركات جماعية، أو تمول الرحلات، أو تختار لحظة توتر دبلوماسي لإطلاق الحركة. وقد جعلت شبكات التواصل الاجتماعي من الممكن تحويل شعور متفرق بالإحباط إلى تحرك جماعي خلال فترة قصيرة.

لكن الحديث عن استخدام استراتيجي للهجرة يتطلب إثبات وجود تنظيم وتمويل وهدف سياسي وجهة مستفيدة يمكن تحديدها. ومن دون هذه العناصر تبقى الفرضية ممكنة، لكنها غير مثبتة.

استهداف المؤسسات يبدأ بتدمير مصداقيتها

لا تحتاج المؤسسة إلى التدمير المادي حتى تُصاب بالشلل. فقد تعمل حملة مستمرة على تصوير جميع القضاة بوصفهم فاسدين، وجميع الصحفيين باعتبارهم مأجورين، وكل المسؤولين السياسيين بوصفهم خونة، وكل الأجهزة الأمنية باعتبارها عدوة للشعب.

من الضروري بالطبع التحقيق في التجاوزات وكشف الفساد عندما يكون موجوداً. لكن عملية زعزعة الاستقرار تحاول إلغاء الفارق بين النقد المستند إلى الأدلة والإدانة الشاملة. فهدفها ليس إصلاح المؤسسة، بل إقناع المجتمع بأن الإصلاح مستحيل.

وعندما يستقر هذا الاعتقاد، تصبح كل خطوة تتخذها المؤسسة دليلاً جديداً على إدانتها، ويُنظر إلى كل محاولة للتوضيح على أنها تلاعب إضافي. وعندئذ تفقد الدولة قدرتها على التواصل حتى عندما تقدم معلومات صحيحة.

الاغتيال السياسي يجب أن يطلق إنذاراً وطنياً فورياً

يمثل كل اغتيال يستهدف مسؤولاً سياسياً أو قاضياً أو صحفياً أو ضابطاً أو عالماً أو نقابياً أو وسيطاً اجتماعياً حدثاً بالغ الخطورة، ويستوجب تحقيقاً سريعاً ومستقلاً ودقيقاً من الناحية التقنية. لكن الاغتيال لا يثبت تلقائياً وجود تدخل أجنبي، فقد تكون دوافعه إجرامية أو أيديولوجية أو شخصية أو داخلية بصورة كاملة.

يتحول الاغتيال إلى علامة محتملة على عملية أوسع عندما تسبقه تهديدات منظمة، أو يستهدف سلسلة من الشخصيات القادرة على المحافظة على الحوار، أو يعتمد على دعم مالي ولوجستي معقد، أو ترافقه حملة تضليل تبدو معدة قبل تنفيذ الجريمة.

ويجب أن يؤدي العثور على معدات متخصصة، أو اتصالات مع جهات خارجية، أو تمويل مجهول المصدر، أو أعمال مراقبة سابقة، أو محاولات لإتلاف الأدلة، إلى توسيع التحقيق بحيث لا يقتصر على المنفذ المباشر. فعندئذ يصبح من الضروري البحث عن الجهات التي أصدرت الأوامر، وقدمت التمويل، وعملت كوسيط، واستفادت سياسياً من العملية.

الساعات التالية للاغتيال لا تقل خطورة عن الجريمة

قد تكون الفترة اللاحقة للاغتيال أخطر من الفترة التي سبقته. فالجهات المنظمة لعملية زعزعة الاستقرار قد تسعى إلى فرض تفسير فوري للجريمة، وتوجيه الاتهام نحو جماعة بعينها، وإشعال الانتقام قبل ظهور الحقائق.

وقد تنشر الحسابات الرقمية اتهامات متعارضة في الوقت نفسه، ليس بهدف توعية الجمهور، بل لإنتاج الغضب والارتباك. ويجب أن تجمع استجابة الدولة بين الحزم العملياتي والتواصل الشفاف. فعلى السلطات إعلان ما تم تأكيده، وما لم يتأكد بعد، والإجراءات المتخذة لحماية الشهود، والخطوات التالية للتحقيق.

وقد يدفع الاتهام الرسمي المتسرع إلى المواجهة التي يسعى إليها المنظمون الحقيقيون، بينما يترك الصمت الطويل المجال العام تحت سيطرة التضليل والشائعات.

العلامات المعلوماتية التي تستحق المراقبة

تترك حملات زعزعة الاستقرار غالباً آثاراً قابلة للرصد، منها الإنشاء المتزامن لحسابات تدعي تمثيل مواطنين محليين، واستخدام الصياغة نفسها عبر مئات الحسابات، وظهور مواقع تنتحل أسماء وسائل إعلام معروفة، والنشر المنسق لوثائق مزورة، والارتفاع غير الطبيعي في انتشار موضوع معين.

ومن العلامات المهمة أيضاً الترويج المتزامن لروايات متعارضة. فقد تتهم بعض الحسابات الدولة بالضعف، بينما تتهمها حسابات أخرى بالاستبداد المفرط. وقد تكشف هذه المفارقة أن الهدف الحقيقي ليس الدفاع عن موقف متماسك، بل تدمير ثقة جميع الفئات في المؤسسات وفي بعضها بعضاً.

لكن التحليل الجدي يجب أن يعتمد على بيانات تقنية وسلوك منسق وروابط قابلة للتحقق. ولا تشكل الفكرة المنتشرة أو الحملة الشعبية وحدها دليلاً على تلاعب أجنبي.

العلامات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية

يجب على المؤسسات المعنية بالأمن الوطني مراقبة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، لأن عمليات التأثير تنجح بسهولة أكبر داخل بيئة هشة. ويمكن أن يؤدي ارتفاع بطالة الشباب، وتراجع الحركية الاجتماعية، وكثرة حالات الإفلاس، وارتفاع الأسعار، وانهيار بعض الخدمات العامة إلى فقدان الثقة.

وترتفع درجة الإنذار عندما تتزامن هذه الصعوبات مع شائعات بشأن نقص المواد الأساسية، أو عمليات سحب منسقة للأموال، أو حملات مقاطعة يجري تضخيمها اصطناعياً، أو هجمات تستهدف قطاعات استراتيجية. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل كل استياء اقتصادي إلى ملف أمني، لأن الأزمة الاجتماعية تستدعي الإصلاح أولاً.

ويمكن أيضاً ملاحظة زعزعة الاستقرار السياسي من خلال الاختفاء التدريجي لإمكان التسوية. فبدلاً من مناقشة السياسات العامة، يتبادل الفاعلون اتهامات الخيانة. وتعجز المؤسسات عن التعاون، وتُعطل القرارات المهمة، ويجري تهميش الأصوات المعتدلة أو تهديدها. ويصبح الإنذار جدياً عندما يتزامن هذا التطرف مع تمويل سري أو هجمات سيبرانية أو تسريبات انتقائية أو ضغوط دبلوماسية.

نسبة العملية إلى دولة أجنبية تتطلب أدلة متضافرة

إن توجيه الاتهام إلى دولة أجنبية قرار بالغ الخطورة، ولا يجوز أن يقوم على الحدس أو الخلاف الأيديولوجي أو مجرد المصادفة. بل ينبغي أن يستند إلى عدة أنواع من الأدلة: بيانات تقنية، وتحويلات مالية، واتصالات، وشهادات، وبنية رقمية مشتركة، ووثائق داخلية، ومنفعة استراتيجية منتظرة.

ومن الضروري أيضاً التمييز بين درجات اليقين. فقد تكون الواقعة مؤكدة، والاستنتاج مرجحاً بدرجة كبيرة، بينما تظل فرضية أخرى احتمالية. ويؤدي تقديم هذه المستويات جميعاً باعتبارها حقائق مؤكدة إلى إضعاف مصداقية الدولة.

يجب أن يوضح التقييم المسؤول درجة الثقة في كل نتيجة، وأهم الأدلة التي تدعمها، وحدود التحقيق القائم. والاعتراف بعدم اليقين لا يمثل ضعفاً، بل يحمي مصداقية المؤسسات عندما تظهر معلومات جديدة.

الدفاع الأفضل يبدأ بالإصلاح الداخلي

لا تستطيع أي استراتيجية أمنية تعويض الظلم والبطالة والفساد وانهيار الخدمات العامة على المدى الطويل. فالمجتمع الذي يرى أن مشكلاته معترف بها وأن المؤسسات تعمل فعلاً على معالجتها يصبح أقل قابلية لخطابات القطيعة واليأس.

إن توفير فرص العمل، والعدالة بين المناطق، والشفافية، واستقلال القضاء، وفعالية الإدارة، ليست مجرد أهداف اجتماعية، بل تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة عمليات زعزعة الاستقرار. وغالباً ما يكون إغلاق الثغرة أكثر فاعلية من محاولة ملاحقة كل من يسعى إلى استغلالها.

لا تتمثل الدولة القادرة على الصمود في الدولة التي تدعي عدم وجود نقاط ضعف لديها، بل في الدولة التي تستطيع تحديد نقاط ضعفها والاعتراف بها علناً ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أسلحة تُستخدم ضدها.

حماية المجال المعلوماتي دون إنشاء وزارة للحقيقة

يجب ألا تمنح مكافحة التضليل الدولة سلطة تحديد الآراء المقبولة بصورة تعسفية، لأن ذلك سيدمر الثقة التي يفترض أن تحميها هذه السياسات. والأفضل هو فرض الشفافية على الإعلانات السياسية، وكشف شبكات الحسابات الوهمية، والإفصاح عن مصادر التمويل، وتطوير التربية الإعلامية، ودعم الصحافة المهنية.

كما ينبغي للمنصات الرقمية الاحتفاظ بالبيانات الضرورية للتحقيقات والإبلاغ عن السلوك المنسق بصورة اصطناعية. ولا يتمثل الهدف في منع النقاش، بل في تمكين الجمهور من معرفة هوية الجهة التي تخاطبه، والوسائل التي تستخدمها، والمصالح التي تعمل لمصلحتها.

عدم الخلط بين المعارضة والنقد والخيانة

من أخطر الأخطاء اعتبار كل معارضة شكلاً من أشكال التخريب. فالمجتمع الذي يُحرم من النقد يصبح أكثر هشاشة، لأن مشكلاته تتراكم إلى أن تنفجر. ويجب المحافظة على فواصل قانونية وسياسية واضحة بين الرأي النقدي، والاتصال المشروع بجهة أجنبية، والتمويل المعلن، والعملية السرية، والتنسيق الهادف إلى إحداث ضرر استراتيجي.

لا يتحول النشاط إلى تهديد بسبب مضمونه وحده، بل نتيجة اجتماع القصد والإخفاء والتنسيق والضرر. وإذا ألغت الدولة هذه الفوارق، فقد تصنع بنفسها التطرف الذي تدعي محاربته.

وقد تنجح العملية المعادية بسبب رد فعل الدولة المبالغ فيه. فالاعتقالات الجماعية، والرقابة الشاملة، والاتهامات غير المدعومة بالأدلة، والروايات الرسمية التي يسهل تكذيبها، كلها عوامل تسرّع فقدان الثقة.

الصمود الوطني يقوم على ثقة قابلة للتحقق

لا تنهار الدول لمجرد امتلاك خصمها آلة دعائية فعالة، بل تضعف عندما لا يجد المواطنون طريقاً موثوقاً للحصول على العدالة أو تحسين أوضاعهم أو المشاركة في القرار العام.

تتمثل الحماية الحقيقية في مؤسسات قادرة على الاستجابة، وقضاء مستقل، وصحافة تستطيع تصحيح أخطائها، ومجتمع يمتلك الوسائل اللازمة للتحقق من المعلومات. وعندما تظهر في الوقت نفسه موجات من التضليل، والهجمات السيبرانية، والضغط الاقتصادي، والعنف السياسي، ومحاولات الاستغلال الاجتماعي، يصبح دق ناقوس الخطر أمراً ضرورياً.

لكن هذا الإنذار يجب أن يؤدي إلى تحقيق دقيق وتعاون مؤسسي وإصلاحات ملموسة، لا إلى الذعر الجماعي.

الخلاصة: متى تتحول الأزمة إلى تهديد وطني؟

يقوم المعيار الأكثر جدية على اجتماع ثلاثة عناصر: هشاشة داخلية قابلة للاستغلال، وسلوك منسق يمكن إسناده إلى فاعل منظم، وأثر استراتيجي مقصود يستهدف سيادة الدولة أو استقرارها.

إذا غاب أحد هذه العناصر، وجب أن تظل فرضية التدخل الخارجي مفتوحة، ولكن من دون اعتبارها حقيقة مثبتة. أما إذا اجتمعت العناصر الثلاثة، فإن الدولة لا تعود أمام أزمة قطاعية عادية، بل أمام تهديد وطني يتطلب استجابة تجمع بين الأمن والعدالة والسياسة الاقتصادية والتواصل العام وحماية الحريات.

ولا ينبغي أن يكون الهدف وضع المجتمع تحت مراقبة دائمة، بل تمكينه من التعرف على التلاعب ومعالجة نقاط ضعفه والدفاع عن وحدته من دون التخلي عن الديمقراطية. ذلك أن أول انتصار تحققه استراتيجية زعزعة الاستقرار يحدث عندما تقوم الدولة، وهي تعتقد أنها تدافع عن نفسها، بتدمير الثقة والمبادئ التي كانت تضمن تماسكها.

المصدر الأصلي: Le Député — الأخبار السياسية والشؤون الأوروبية والجيوسياسية

نُشرت النسخة الأصلية باللغة الفرنسية على موقع LeDéputé.com. ويجب أن تتضمن كل إعادة نشر أو ترجمة إشارة واضحة إلى المصدر ورابطاً نشطاً يقود إلى المقال الأصلي.

عن الكاتب: إسحاق حموش صحفي وكاتب وباحث في العلاقات الدولية والقضايا الجيوسياسية المعاصرة، وينشر مقالاته في عدد من وسائل الإعلام البلجيكية والأوروبية والدولية.

Articles similaires

Annonce publicitairespot_img