Accueilبالعربيةمن المستفيد من...

من المستفيد من ضرب العلاقات المصرية الإماراتية؟ – بقلم إسحاق هموش

بين حقيقة الإجراءات وحرب الشائعات

حين تتحول معلومة إدارية إلى أزمة سياسية

في العلاقات بين الدول، لا تبدأ الأزمات دائماً بقرار سياسي كبير، ولا تحتاج حروب النفوذ الحديثة إلى بيان رسمي أو مواجهة دبلوماسية مفتوحة. أحياناً تكفي معلومة ناقصة، أو إجراء إداري يُنتزع من سياقه، أو تجربة فردية لمواطن لم تُجدد أوراقه، ثم تُدفع هذه الجزئية إلى فضاء مواقع التواصل الاجتماعي مصحوبة بعنوان مثير: «الإمارات تطرد المصريين»، أو «وقف تجديد إقامات المصريين»، أو «آلاف المصريين في طريق العودة». وعندما تتكرر الرسالة نفسها عبر عشرات الحسابات والمنصات، تبدأ المعلومة ــ بصرف النظر عن دقتها ــ في اكتساب قوة نفسية وسياسية تتجاوز حقيقتها الأصلية. وهنا تصبح القضية أكبر من سؤال التأشيرة والإقامة؛ إذ نكون أمام سؤال يتعلق بصناعة الانطباع العام: هل توجد بالفعل أزمة مصرية إماراتية؟ أم أن هناك من يريد إقناع المصري والإماراتي بأن الأزمة موجودة قبل أن توجد في الواقع؟

ماذا حدث بالفعل؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها أي تحليل جاد. ففي 31 مارس/آذار 2026 دخل تحديث إلكتروني متعلق بإجراءات تصاريح وعقود العمل للمصريين في الإمارات حيز التنفيذ، وأوضحت السفارة المصرية في أبوظبي، بعد تواصلها مع مسؤولي وزارة الموارد البشرية والتوطين الإماراتية، أن «صحيفة الحالة الجنائية» أو شهادة حسن السير والسلوك أصبحت مطلوبة في حالات إصدار تصاريح وعقود عمل جديدة. أما المواطن المصري المقيم الذي يجدد عقده مع جهة العمل نفسها من دون تغيير، فلا تُطلب منه هذه الشهادة وفق التوضيح المنشور. كما يشمل الشرط العقود الجديدة، ومن يغير جهة العمل أو يحول وضعه من زيارة إلى إقامة عمل، وكذلك المستقدم من مصر للعمل لأول مرة.

وهذه التفاصيل شديدة الأهمية؛ لأنها ترسم فاصلاً واضحاً بين عبارة «تحديث متطلبات بعض تصاريح العمل» وعبارة «الإمارات تمنع تجديد عقود المصريين». الأولى لها أصل موثق، والثانية ــ وفق ما أمكن التحقق منه حتى كتابة هذا المقال ــ لم نجد قراراً رسمياً عاماً يسندها. بل إن منصة «أخبار ميتر» للتحقق من المعلومات رصدت انتشار الادعاء على نطاق واسع، وقالت إن المنشورات التي تحدثت عن منع التجديد ووقف التأشيرات تجاوزت مليون مشاهدة، بينما لم تجد قراراً رسمياً إماراتياً يقرر حظراً عاماً على تجديد عقود المصريين أو إصدار التأشيرات لهم.

ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية: المسافة بين الواقعة والرواية

ليس المطلوب إنكار أن مصرياً قد تُرفض معاملته، أو أن موظفاً قد يفقد عمله، أو أن شخصاً قد يضطر إلى العودة إلى مصر بعد انتهاء عقده أو إقامته. ففي دولة تستضيف أعداداً كبيرة من العمالة الأجنبية، تحدث يومياً عمليات تعاقد وإنهاء عقود وانتقال بين الوظائف وقبول ورفض لطلبات الإقامة وفق أوضاع قانونية ومهنية مختلفة. لكن الخطأ المنهجي يبدأ عندما تتحول الحالات الفردية إلى سياسة دولة من دون دليل. فقولنا إن «مواطنين مصريين عادوا من الإمارات» يختلف جذرياً عن القول إن «الإمارات اتخذت قراراً بإعادة المصريين». الأول يمكن أن يحدث لأسباب شخصية أو مهنية أو قانونية متعددة؛ أما الثاني فهو ادعاء سياسي ضخم يحتاج إلى قرار رسمي أو بيانات موثقة أو نمط واسع يمكن إثباته، لا إلى مقاطع فيديو مجهولة المصدر أو شهادات فردية متفرقة.

اختبار الأرقام يكشف حجم التناقض

إذا كانت هناك بالفعل سياسة تستهدف الوجود المصري في الإمارات على النحو الذي تصوره بعض الروايات، فإن السؤال المنطقي هو: أين آثارها في الصورة الأوسع للعلاقة؟ فبحسب بيانات منشورة في فبراير/شباط 2026 نقلاً عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت تحويلات المصريين العاملين في الإمارات نحو 3.6 مليار دولار خلال السنة المالية 2024/2025، مقابل 1.8 مليار دولار في السنة السابقة، فيما قدرت البعثة المصرية عدد المصريين الموجودين في الإمارات بنحو 1.3 مليون حتى نهاية 2024. وهذه أرقام ينبغي التعامل معها بحذر من حيث تاريخها، لكنها توضح على الأقل ضخامة وتشابك البعد البشري والاقتصادي للعلاقة.

والأمر نفسه ينطبق على التجارة. فالمصادر الإماراتية الرسمية تشير إلى وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 9.7 مليارات دولار في 2025، مقابل نحو ستة مليارات في 2024، مع وجود أكثر من 1800 شركة إماراتية تعمل في السوق المصرية وفق البيانات المنشورة على موقع السفارة الإماراتية في القاهرة. إننا إذن لا نتحدث عن علاقة هامشية يمكن هدمها بتغريدة أو خلاف عابر، وإنما عن شبكة مصالح اقتصادية واستثمارية وبشرية وسياسية واسعة، وهو بالتحديد ما يجعل محاولة التأثير في صورتها العامة أمراً ذا قيمة سياسية لمن تتعارض مصالحه مع استمرار هذا التقارب.

لكن هل تخلو العلاقات المصرية الإماراتية من الاختلافات؟

بالطبع لا، ومن الخطأ الصحفي أن يتحول الدفاع عن حقيقة ما إلى تصوير العلاقات بين الدول وكأنها علاقة عاطفية خالية من تباين المصالح. مصر والإمارات دولتان كبيرتان في الإقليم، ولكل منهما حساباته وأولوياته وأدواته ورؤيته تجاه ملفات شديدة التعقيد، من البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى السودان وليبيا وغزة والاستثمارات والموانئ والأمن الإقليمي. ومن الطبيعي أن تتطابق الرؤى في ملفات، وأن تختلف الحسابات أو درجات الأولوية في ملفات أخرى. لكن الاختلاف في تقدير ملف إقليمي لا يعني تلقائياً انتقال العلاقة إلى الخصومة، تماماً كما أن قوة العلاقات السياسية لا تعني تطابق المصالح بنسبة مئة في المئة. هذه واحدة من أهم قواعد قراءة العلاقات الدولية: الدول تتحالف وتتعاون وتتفاوض وتختلف في الوقت نفسه.

ما تقوله حركة الاتصالات السياسية أهم مما تقوله الشائعة

عند البحث عن مؤشرات الأزمة بين دولتين، من المفيد مراقبة السلوك الرسمي: مستوى الاتصالات، الزيارات، الاجتماعات، الخطاب الدبلوماسي، التعاون الاقتصادي، وتواتر التنسيق في القضايا الإقليمية. وفي الحالة المصرية الإماراتية، تبدو الصورة الرسمية خلال 2026 مختلفة بوضوح عن صورة «القطيعة» التي تروج لها بعض المنصات. ففي 10 يونيو بحث الشيخ عبدالله بن زايد والدكتور بدر عبدالعاطي العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، وتكرر الاتصال في 27 يونيو، ثم في 12 يوليو، قبل أن يستقبل عبدالله بن زايد وزير الخارجية المصري في أبوظبي في 21 يوليو، حيث ناقشا تعزيز العلاقات والمصالح المتبادلة والتعاون بين البلدين.

هذه الوقائع لا تثبت أن القاهرة وأبوظبي تتفقان في كل شيء، لكنها تجعل الادعاء بوجود انهيار شامل في العلاقة يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من منشورات مواقع التواصل. فالسياسة الخارجية لا تُقرأ من تغريدة منفردة، وإنما من تراكم المؤشرات.

إذن من المستفيد من صناعة الأزمة؟

هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة من أصحاب الحملات أنفسهم. لا يجوز اتهام دولة أو جهاز أو تيار سياسي بعينه بإدارة حملة منظمة ما لم تتوافر أدلة رقمية أو استخباراتية أو تحقيق صحفي موثق يحدد مصدر الحسابات ومسارات التمويل والتنسيق بينها. لكن يمكن ــ وهذا مشروع تماماً في التحليل السياسي ــ أن نسأل عن دوائر المصلحة. فمن المستفيد موضوعياً من تراجع الثقة بين القاهرة وأبوظبي؟ المستفيد قد يكون طرفاً إقليمياً يرى في التنسيق المصري الإماراتي عائقاً أمام نفوذه، أو تياراً سياسياً على خصومة مع النظامين، أو شبكات إعلامية تعيش على الاستقطاب، أو حسابات رقمية تبحث عن الانتشار والمشاهدات، أو حتى جهات تجارية تستثمر في الخوف من تغييرات سوق العمل. وقد تتقاطع هذه المصالح من دون أن تكون جميعها جزءاً من «غرفة عمليات» واحدة.

ليس كل من يشارك الشائعة جزءاً من المؤامرة

وهذه نقطة لا تقل أهمية. الحملات الرقمية لا تحتاج دائماً إلى عشرات الآلاف من الحسابات المنظمة. يكفي أحياناً عدد صغير من الحسابات المؤثرة لإطلاق الرواية، ثم يقوم الجمهور نفسه بإعادة إنتاجها. مصري قلق على عقد عمله يرسلها إلى أسرته، وأم تخشى على ابنها تنشرها في مجموعة عائلية، وصاحب قناة يبحث عن المشاهدات يضع لها عنواناً صادماً، وصفحة إخبارية تنقلها من دون تحقق خوفاً من أن يسبقها المنافسون. وبعد ساعات تصبح الشائعة «حقيقة اجتماعية» لا لأن جهة مركزية دفعت كل شخص لنشرها، وإنما لأن الخوف قام ببقية المهمة. وهذه إحدى أخطر خصائص التضليل المعاصر: الجمهور قد يتحول، من دون قصد، من ضحية للمعلومة المضللة إلى وسيلة مجانية لتوزيعها.

لماذا ملف المصريين في الإمارات بالذات شديد الحساسية؟

لأن العامل المغترب ليس رقماً في جدول اقتصادي. وراء كل إقامة وظيفة، ووراء كل وظيفة أسرة، ووراء كل تحويل مالي التزامات وحياة ومستقبل. ولذلك فإن جملة من خمس كلمات مثل «الإمارات لن تجدد للمصريين» تستطيع أن تصنع حالة من القلق تفوق أضعاف ما تصنعه شائعة سياسية تقليدية. هنا تضرب الرواية في نقطة نفسية بالغة الحساسية: الرزق. وحين يدخل الخوف على الرزق إلى المعادلة، تنخفض قدرة الجمهور على الانتظار والتحقق، وتزداد سرعة تداول المعلومة. ولذلك فإن من يريد إحداث توتر شعبي بين دولتين لن يجد دائماً أداة أقوى من الإيحاء بأن الدولة الأخرى تستهدف لقمة عيش مواطنيك.

من «الإجراء الإداري» إلى «الإهانة الوطنية»

المرحلة الأخطر في صناعة هذا النوع من الحملات تأتي عندما يعاد تأطير المسألة. في البداية يكون النقاش عن وثيقة أو إقامة أو عقد عمل. ثم يتحول إلى سؤال: «لماذا تعامل الإمارات المصريين بهذه الطريقة؟». وبعدها إلى عبارة: «هذه إهانة لمصر». ثم تنتقل القضية من إجراء إداري قابل للتفسير والمراجعة إلى كرامة وطنية، ومن ثم يصبح أي شخص يطالب بالتحقق من الخبر متهماً بالدفاع عن الطرف الآخر. وفي الاتجاه المقابل، قد يُتهم أي شخص يروي تجربة حقيقية سلبية بأنه يشارك في حملة معادية. وهكذا يخسر النقاش منطقه، ويصبح الجمهور أسيراً لمعسكرين، بينما تضيع الحقيقة في المنتصف.

السؤال الأهم ليس: من بدأ؟ بل كيف انتشرت الرواية؟

البحث عن «صاحب التغريدة الأولى» مفيد صحفياً، لكنه لا يكفي لفهم الظاهرة. التحليل الأعمق يجب أن يرصد توقيت ظهور الرواية، والحسابات التي دفعتها، والتشابه في الصياغات، والمنصات التي نقلتها، والمدة الزمنية التي احتاجتها للوصول إلى جمهور واسع، وما إذا كانت الحسابات التي روّجتها تنشر في الوقت نفسه رسائل أخرى تستهدف العلاقات المصرية الإماراتية. كما يجب مقارنة منحنى انتشار الشائعة بالتوضيحات الرسمية: هل انتشرت المعلومة الكاذبة أسرع بعشرة أضعاف من التصحيح؟ وهل وصلت التصحيحات إلى الجمهور نفسه الذي شاهد الادعاء الأصلي؟ هنا يمكن أن يتحول التحقيق من مقال رأي إلى دراسة حقيقية في هندسة التأثير الرقمي.

والمفارقة أن الشائعة لا تحتاج إلى أن تكون كاذبة بالكامل

أكثر حملات التضليل فاعلية ليست تلك التي تخترع قصة من الصفر، وإنما التي تأخذ حقيقة جزئية وتبني فوقها استنتاجاً غير صحيح. وجود تحديث فعلي في إجراءات بعض تصاريح العمل يوفر «نواة حقيقة». بعد ذلك يكفي حذف عبارة «العقود الجديدة» واستبدالها بـ«العقود»، ثم حذف الاستثناء المتعلق بالتجديد لدى جهة العمل نفسها، ثم إضافة كلمات مثل «منع» و«ترحيل» و«آلاف المصريين»، لتتحول المعلومة الإدارية إلى أزمة سياسية كاملة. ولذلك فإن مكافحة التضليل لا تكون بالقول فقط إن «الخبر كاذب»، بل بتفكيك العملية التي حولت الجزء الصحيح إلى استنتاج مضلل.

ماذا لو كانت هناك حالات رفض حقيقية؟

يجب التحقيق فيها، لا دفنها. فالمصداقية الصحفية تقتضي ألا ننتقل من رفض الشائعة إلى إنكار تجارب الناس. إذا كانت هناك أعداد من المصريين رُفضت طلباتهم، فمن حق الصحافة أن تسأل: كم عددهم؟ ما أنواع التأشيرات؟ ما أسباب الرفض؟ هل توجد مهن أو فئات معينة؟ هل الأمر مرتبط بجهة العمل أو الوضع القانوني أو شروط أمنية أو مهنية جديدة؟ وهل تغيرت نسب القبول والرفض مقارنة بالعام السابق؟ هنا فقط نستطيع الانتقال من الانطباع إلى المعرفة. أما استخدام ثلاث أو أربع شهادات فردية لإثبات سياسة تستهدف أكثر من مليون مصري فهو خلل إحصائي قبل أن يكون خللاً سياسياً.

القاهرة وأبوظبي: علاقة مصالح لا تحتمل القراءة السطحية

العلاقة المصرية الإماراتية تجاوزت منذ سنوات فكرة المجاملات الدبلوماسية. هناك استثمارات وتجارة وتحويلات مالية وجالية كبيرة ومصالح أمنية وإقليمية، إلى جانب علاقة سياسية على مستوى القيادتين ومؤسسات الدولتين. ولهذا فإن تكلفة حدوث أزمة حقيقية ستكون مرتفعة على الجانبين، وليس على طرف واحد. مصر لها وزن ديموغرافي وعسكري وجغرافي وسياسي عربي لا يمكن تجاهله، والإمارات تملك ثقلاً اقتصادياً واستثمارياً ودبلوماسياً متزايداً. ومن ثم فإن أي خلاف بينهما ــ إذا وقع ــ ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود البلدين، وهو ما يعني في المقابل أن أطرافاً أخرى قد ترى فائدة في إضعاف هذه المعادلة أو على الأقل في زرع الشك داخلها.

الاقتصاد يجعل العلاقة أكثر تعقيداً من لغة «معنا أو ضدنا»

الأرقام الاقتصادية تساعدنا أيضاً على فهم لماذا ينبغي مقاومة التحليل الانفعالي. عندما يصل التبادل التجاري إلى مليارات الدولارات، وتتشابك الاستثمارات والشركات وفرص العمل والتحويلات، يصبح القرار السياسي محكوماً بشبكة مصالح واسعة. وهذه الشبكة لا تمنع الخلافات، لكنها ترفع كلفتها. ومن هنا فإن العقلانية تقتضي أن نقرأ العلاقة باعتبارها علاقة مصالح استراتيجية قابلة للاختلاف والتفاوض، لا علاقة ولاء شخصي يُقاس فيها كل قرار إداري بمقياس المحبة أو العداء.

أين تقع مسؤولية الحكومتين؟

مواجهة الشائعات ليست مسؤولية الجمهور وحده. عندما يتعلق الأمر بمئات الآلاف أو أكثر من المواطنين المقيمين في دولة أخرى، فإن الفراغ المعلوماتي يصبح خطراً سياسياً. أي تعديل في قواعد العمل أو الإقامة يحتاج إلى شرح سريع ومحدد: من يشمله؟ من لا يشمله؟ متى يبدأ؟ ما المستندات المطلوبة؟ وما مصير الطلبات القائمة؟ كل ساعة تتأخر فيها المعلومة الرسمية تترك مساحة أكبر للروايات البديلة. وقد كان توضيح السفارة المصرية بشأن شهادة الحالة الجنائية مهماً، لكن التجربة نفسها تؤكد أن الاتصال المؤسسي يجب أن يسبق الشائعة قدر الإمكان لا أن يكتفي بملاحقتها بعد انتشارها.

ومسؤولية الصحافة أكبر من مجرد النفي

ليس دور الصحفي أن يكون محامياً عن القاهرة أو أبوظبي، كما ليس دوره أن يتحول إلى مكبر صوت لأي رواية معادية لإحداهما. وظيفة الصحافة هي أن تزعج الجميع بالسؤال نفسه: «أين الدليل؟». فإذا قالت جهة إن آلاف المصريين أُعيدوا، نطلب الرقم والمصدر والفترة الزمنية وسبب العودة. وإذا قالت جهة رسمية إن كل شيء طبيعي، فمن حقنا أيضاً أن نسأل عن إحصاءات رفض التأشيرات والشكاوى وحالات إنهاء الإقامات إن كانت متاحة. استقلال الصحافة لا يعني الوقوف في منتصف المسافة حسابياً بين الحقيقة والكذب، وإنما الوقوف إلى جانب الوقائع أينما قادت.

الحرب الجديدة تبدأ داخل الهاتف المحمول

ربما تكون الخلاصة الأوسع لهذه القضية أن الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتعلق فقط بالحدود والجيوش والسلاح. صورة دولة لدى شعب دولة أخرى أصبحت جزءاً من معادلة الأمن والنفوذ. ويمكن لمقطع لا يتجاوز ثلاثين ثانية أن يخلق غضباً بين شعبين أكثر مما تخلقه افتتاحية صحيفة كاملة. ويمكن لحساب مجهول أن يضع مسؤولين أمام أزمة رأي عام لم تكن موجودة قبل ساعات. لذلك أصبحت القدرة على التحقق، والاستجابة السريعة، وفهم شبكات التأثير، جزءاً من أدوات حماية العلاقات الدولية نفسها.

لا نقدس العلاقة ولا نسمح باغتيالها بالشائعات

العلاقات المصرية الإماراتية ليست فوق النقد، ولا ينبغي أن تكون. وإذا وقع إجراء يضر بمصالح المصريين فمن واجب الصحافة المصرية أن تناقشه بوضوح، كما أن من حق الإمارات أن تنظم سوق العمل والإقامة على أراضيها وفق قوانينها، ومن حق القاهرة أن تدافع عن مصالح مواطنيها بالطرق الدبلوماسية والقانونية. لكن هناك فارقاً هائلاً بين النقد المستند إلى الوقائع وبين بناء خصومة بين شعبين على معلومة لم تثبت. الأول صحافة؛ والثاني، بقصد أو من دون قصد، قد يصبح وقوداً لحرب معلومات.

الخلاصة: فتش عن المصلحة… ولكن قبلها فتش عن الدليل

حتى الآن، ما يمكن إثباته هو وجود تحديث في متطلبات بعض تصاريح وعقود العمل الجديدة للمصريين، وليس قراراً عاماً معلناً بمنع تجديد عقود المصريين أو ترحيلهم جماعياً. وفي المقابل، استمرت الاتصالات السياسية رفيعة المستوى بين البلدين خلال الأشهر التالية، واستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن تعزيز التعاون والشراكة والمصالح المتبادلة. هذه حقائق يمكن قياسها وتوثيقها. أما تحديد جهة بعينها بوصفها «صاحبة المؤامرة»، فيحتاج إلى أدلة لا يجوز للصحافة المهنية أن تستبدلها بالتخمين.

لكن عدم امتلاك اسم الفاعل لا يمنعنا من فهم طبيعة الفعل. هناك بالتأكيد بيئة إقليمية شديدة التنافس، وهناك أطراف سياسية وإعلامية ورقمية يمكن أن تستفيد من كل شرخ بين القاهرة وأبوظبي، وهناك خوارزميات تكافئ الغضب أكثر مما تكافئ الدقة، وهناك جمهور يخشى على رزقه ومستقبله فيصبح أكثر قابلية لتصديق الأخبار الصادمة. وبين هذه العناصر جميعاً يمكن لشائعة صغيرة أن تتحول إلى قضية تمس علاقة دولتين.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتركه مفتوحاً أمام القارئ: إذا كانت الوقائع المتاحة لا تثبت وجود قرار إماراتي جماعي يستهدف المصريين، بينما تستمر العلاقات السياسية والاقتصادية بين القاهرة وأبوظبي على هذا المستوى من التشابك، فمن الذي يستفيد من إقناع الشعبين بأنهما أصبحا خصمين؟ والأهم: هل أصبحنا في زمن يمكن فيه صناعة أزمة بين دولتين على شاشات الهواتف، قبل أن تقع هذه الأزمة أصلاً في غرف السياسة؟

Articles similaires

Annonce publicitairespot_img