Accueilبالعربيةالإمارات في مواجهة...

الإمارات في مواجهة الهجمات السيبرانية: طحنون بن زايد في قلب المعادلة الأمنية- بقلم إسحاق هموش

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة في 10 أغسطس 2026 عن رصد وإحباط هجمات سيبرانية متقدمة ومنسقة استهدفت قطاعات حيوية، في مقدمتها الطيران والطاقة والتعليم. ورغم حساسية الأهداف المختارة، أكدت السلطات الإماراتية احتواء الهجمات قبل أن تتمكن من اختراق الأنظمة المستهدفة. ولا تكشف هذه الحادثة فقط عن حجم التهديدات الجديدة التي تواجه الدول الأكثر تطوراً رقمياً، بل تسلط الضوء أيضاً على استراتيجية إماراتية تراكمت على مدى سنوات، وأصبحت فيها حماية الفضاء الرقمي جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن الوطني. وفي قلب هذه المنظومة الاستراتيجية يبرز اسم الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم أبوظبي ومستشار الأمن الوطني.

هجوم يستهدف ثلاثة قطاعات شديدة الحساسية

لم يكن اختيار قطاعات الطيران والطاقة والتعليم أمراً عشوائياً. فهذه القطاعات تمثل أجزاء أساسية من البنية التحتية لدولة الإمارات واقتصادها الحديث. الطيران، على سبيل المثال، ليس مجرد وسيلة للنقل في الإمارات، بل أحد أعمدة ارتباط الدولة بالاقتصاد العالمي، في ظل المكانة التي تحتلها مطاراتها وشركاتها الجوية كمراكز ربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا والأمريكيتين. أما الطاقة فتمثل قطاعاً استراتيجياً يرتبط مباشرة بالاقتصاد والأمن الوطني واستمرارية الخدمات، بينما أصبح قطاع التعليم بدوره يعتمد على شبكات رقمية ضخمة وقواعد بيانات ومنصات إلكترونية وأنظمة لإدارة هويات الطلاب والموظفين. ووفق ما أعلنه مجلس الأمن السيبراني الإماراتي، فقد تمكنت المنظومات الوطنية من اكتشاف الهجمات واحتوائها قبل أن تؤدي إلى اختراق الأنظمة المستهدفة، وهو في حد ذاته مؤشر مهم على مستوى الاستجابة والجاهزية.

من القرصان الفردي إلى حروب رقمية عابرة للحدود

شهد مفهوم الجريمة السيبرانية تحولاً جذرياً خلال العقود الثلاثة الماضية. ففي بدايات الإنترنت، كان الحديث عن القرصنة الإلكترونية يرتبط غالباً بأفراد يحاولون اختراق أجهزة أو شبكات بدافع الفضول أو التحدي أو الحصول على مكاسب مالية محدودة. أما اليوم، فقد أصبحت الصورة مختلفة تماماً. العالم يواجه شبكات إجرامية منظمة، وهجمات فدية بمليارات الدولارات، وعمليات تجسس إلكتروني، وسرقة قواعد بيانات، ومحاولات لتعطيل بنى تحتية حيوية، فضلاً عن مجموعات ترتبط أو يُشتبه في ارتباطها بأجهزة أو مصالح دول. وبذلك لم يعد الفضاء السيبراني مجرد مجال تقني، بل تحول تدريجياً إلى ساحة جديدة من ساحات التنافس والصراع الدولي. فالضربة الإلكترونية الناجحة قد تعطل مطاراً أو مستشفى أو بنكاً أو شبكة كهرباء من دون أن يعبر جندي واحد الحدود التقليدية للدولة المستهدفة.

لماذا تشكل الإمارات هدفاً مغرياً للهجمات الإلكترونية؟

هناك مفارقة أساسية في التجربة الإماراتية: كلما ازدادت الدولة تقدماً من الناحية الرقمية، ازدادت في الوقت نفسه أهمية حمايتها من المخاطر الرقمية. فقد بنت الإمارات خلال سنوات منظومة متقدمة تجمع الخدمات الحكومية الذكية، والمصارف، والطيران، والطاقة، والموانئ، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية والمدن الذكية. هذا المستوى المرتفع من الترابط الرقمي يمنح الاقتصاد كفاءة وسرعة كبيرتين، لكنه يعني أيضاً اتساع ما يسميه خبراء الأمن السيبراني بـ«سطح الهجوم» المحتمل. لذلك أصبحت حماية الشبكات بالنسبة للإمارات مسألة تتجاوز أقسام تكنولوجيا المعلومات لتدخل مباشرة في نطاق السيادة واستمرارية الدولة والأمن القومي.

طحنون بن زايد في قلب منظومة الأمن الوطني

عند الحديث عن البنية الاستراتيجية للأمن الإماراتي يبرز اسم الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان بصورة طبيعية. فهو نائب حاكم أبوظبي ومستشار الأمن الوطني لدولة الإمارات، ويشغل موقعاً مركزياً في منظومة الأمن الاستراتيجي للدولة. لكن الدقة تقتضي التمييز بين القيادة الاستراتيجية والإدارة التنفيذية للأمن السيبراني: فالشيخ طحنون بن زايد ليس رئيس مجلس الأمن السيبراني الإماراتي، إذ يتولى هذه المسؤولية الدكتور محمد حمد الكويتي. أهمية الشيخ طحنون تكمن في المستوى الأشمل الذي يعمل فيه، حيث تتقاطع قضايا الأمن الوطني والاستخبارات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وحماية البنى الاستراتيجية. ومن هنا يمكن فهم الأمن السيبراني باعتباره جزءاً من منظومة أوسع، وليس جهازاً تقنياً منعزلاً يعمل وحده.

محمد الكويتي والذراع المتخصصة للدفاع السيبراني

أما على المستوى المتخصص، فيبرز الدكتور محمد حمد الكويتي، رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات، باعتباره أحد أبرز المسؤولين المباشرين عن السياسة الوطنية في هذا المجال. وقد أُنشئ مجلس الأمن السيبراني في نوفمبر 2020 بهدف تطوير استراتيجية شاملة للأمن السيبراني وتعزيز البنية التحتية الرقمية للدولة ورفع مستوى التنسيق والاستجابة للحوادث. وتكمن قوة النموذج الإماراتي في هذا التكامل: مستوى استراتيجي ينظر إلى الأمن الرقمي باعتباره جزءاً من الأمن الوطني، ومستوى متخصص يعمل على بناء القدرات التقنية والمؤسساتية اللازمة لحماية الدولة ومؤسساتها وقطاعاتها الحيوية.

الإمارات ضمن الفئة العالمية الأعلى في الأمن السيبراني

التقدم الإماراتي في هذا المجال لا يستند فقط إلى التصريحات الرسمية. ففي المؤشر العالمي للأمن السيبراني لعام 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، وهو وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، جاءت دولة الإمارات ضمن فئة Tier 1 – Role-modelling، وهي أعلى فئة في التصنيف. وتشمل هذه الفئة الدول التي حققت ما لا يقل عن 95 نقطة من أصل 100 وفق منهجية المؤشر. ولا يقيس التصنيف مجرد امتلاك أجهزة أو برامج متطورة، بل يتناول خمسة محاور أساسية تشمل التدابير القانونية والتقنية والتنظيمية وتنمية القدرات والتعاون الدولي. ولذلك قد لا يكون من الدقيق وصف الإمارات بأنها «الأولى عالمياً» دون تحديد مؤشر بعينه، لكن من الصحيح القول إنها أصبحت ضمن المجموعة العالمية المتقدمة جداً في بناء منظومات الأمن السيبراني.

نجاح الدفاع السيبراني يُقاس أحياناً بما لم يحدث

تكشف هجمات 10 أغسطس عن حقيقة مثيرة للاهتمام: أفضل نجاحات الأمن السيبراني قد تكون تلك التي لا يشعر بها المواطن إطلاقاً. عندما تفشل منظومة الحماية، تظهر النتائج سريعاً في صورة توقف خدمات أو تعطيل مؤسسات أو تسريب معلومات. أما عندما تنجح، فقد تستمر الحياة بصورة طبيعية تماماً. الطائرات تقلع وتهبط، وشبكات الطاقة تواصل عملها، والمؤسسات التعليمية تبقى متصلة بأنظمتها. وراء هذه الحياة الطبيعية قد تكون هناك معركة رقمية معقدة تشمل اكتشاف سلوك غير طبيعي، وعزل أنظمة، وتحليل حركة البيانات، وتعطيل برمجيات خبيثة أو إغلاق مسارات حاول المهاجم استخدامها. وإذا كانت الهجمات الأخيرة قد أُحبطت بالفعل قبل اختراق الأنظمة، كما أعلنت السلطات، فإن عدم حدوث اضطراب واسع يمثل بحد ذاته نتيجة مهمة.

الذكاء الاصطناعي يغير قواعد المعركة السيبرانية

يدخل العالم حالياً مرحلة أكثر حساسية بسبب التطور السريع للذكاء الاصطناعي. فالتكنولوجيا التي تمنح المدافعين قدرة أكبر على تحليل ملايين البيانات واكتشاف الأنماط غير الطبيعية يمكن أن يستخدمها المهاجمون أيضاً لتطوير أدوات أكثر سرعة ومرونة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل رسائل الاحتيال الإلكتروني أكثر إقناعاً، ويساعد على أتمتة بعض مراحل الهجمات وتحليل نقاط الضعف وإنتاج محتويات مزيفة بدرجة غير مسبوقة. وبالنسبة إلى الإمارات، التي وضعت الذكاء الاصطناعي في صلب مشروعها الاقتصادي والتكنولوجي، تصبح المعادلة أكثر أهمية: المطلوب ليس فقط أن تكون الدولة من أسرع الدول في تبني التكنولوجيا، وإنما أيضاً من أكثرها قدرة على حمايتها.

لا توجد دولة محصنة بنسبة مئة في المئة

ورغم المستوى المتقدم للمنظومة الإماراتية، سيكون من غير الواقعي الادعاء بأن اختراق أنظمتها أصبح مستحيلاً. لا توجد دولة أو مؤسسة أو شركة تكنولوجية في العالم تستطيع ضمان أمن مطلق بنسبة مئة في المئة. تظهر ثغرات جديدة باستمرار، وتتغير أدوات المهاجمين، كما يبقى العامل البشري أحد أبرز مصادر المخاطر. لذلك تطور مفهوم الأمن السيبراني من فكرة «منع كل اختراق» إلى مفهوم أكثر واقعية هو المرونة السيبرانية: أن تفترض الدولة أنها ستتعرض للهجوم، وأن تمتلك القدرة على اكتشافه مبكراً، وحصره، ومنع انتشاره، وحماية الوظائف الأساسية، ثم استعادة الوضع الطبيعي بأسرع وقت ممكن.

من يقف وراء الهجوم؟ الحذر واجب قبل توجيه الاتهامات

حتى الآن، لا ينبغي القفز إلى استنتاجات بشأن هوية الجهة التي تقف وراء الهجمات الأخيرة. فبحسب المعلومات المعلنة حول الواقعة، لم تقدم السلطات الإماراتية إسناداً علنياً نهائياً للهجمات إلى دولة أو منظمة بعينها. وتحديد مصدر الهجمات الإلكترونية من أعقد مسائل الأمن السيبراني؛ إذ يستطيع المهاجم المرور عبر خوادم وأجهزة موجودة في دول مختلفة، أو استخدام أنظمة سبق اختراقها لإخفاء نقطة الانطلاق الحقيقية. ولذلك فإن التشابه بين أسلوب هجوم جديد وتقنيات استخدمتها مجموعة معروفة سابقاً لا يشكل وحده دليلاً قاطعاً على المسؤولية. وفي غياب أدلة تقنية معلنة أو اتهام رسمي، تبقى المهنية الصحفية قائمة على الفصل بين الوقائع المثبتة والفرضيات.

استراتيجية طحنون بن زايد: الأمن لم يعد حدوداً جغرافية فقط

هنا تحديداً يمكن قراءة الدور الاستراتيجي للشيخ طحنون بن زايد. فالقضية ليست أن مستشار الأمن الوطني جلس شخصياً أمام شاشة وأوقف هجوماً إلكترونياً؛ مثل هذا الوصف سيكون تبسيطاً غير دقيق لطريقة عمل الدول الحديثة. الأهم هو أن مفهوم الأمن الوطني الإماراتي أصبح يشمل البيانات والشبكات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية إلى جانب المفاهيم الأمنية التقليدية. حماية الدولة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني حماية الحدود والمطارات والمنشآت فقط، وإنما حماية الشبكات التي تدير تلك المطارات والمنشآت والمصارف وشبكات الطاقة والاتصالات.

الاستثمار قبل الأزمة بدلاً من التحرك بعدها

تظهر التجربة الإماراتية في الأمن السيبراني فلسفة واضحة: بناء المؤسسات والقدرات قبل وقوع الأزمة الكبرى. إنشاء مجلس متخصص، وتطوير استراتيجيات وطنية، والاستثمار في التقنيات الجديدة، وتأهيل الكفاءات، وتعزيز التعاون بين المؤسسات العامة والخاصة، كلها خطوات تحتاج إلى سنوات قبل أن تظهر قيمتها الحقيقية. والهجوم الذي أعلن عن إحباطه في 10 أغسطس يمثل اختباراً عملياً لهذا النوع من الاستثمار. فالفارق بين دولة تمتلك استراتيجية مسبقة وأخرى تبدأ في البحث عن الحلول بعد وقوع الاختراق قد يكون الفارق بين حادث تتم السيطرة عليه سريعاً وأزمة وطنية تمتد آثارها إلى الاقتصاد والمجتمع.

الإمارات ومعركة السيادة الرقمية

ما حدث يحمل في النهاية رسالة تتجاوز الإمارات نفسها. العالم يدخل مرحلة أصبحت فيها السيادة الرقمية جزءاً أساسياً من السيادة الوطنية. الدولة التي لا تستطيع حماية بياناتها وشبكاتها ومؤسساتها الحيوية قد تصبح معرضة للضغط حتى وإن كانت حدودها العسكرية شديدة التحصين. الإمارات أدركت هذه المعادلة مبكراً، واستثمرت في بناء منظومة أمنية وتكنولوجية تتعامل مع التهديد السيبراني باعتباره مسألة دولة وليس مجرد مشكلة تقنية. وفي هذه المنظومة يتكامل الدور الاستراتيجي الذي يمثله الشيخ طحنون بن زايد في الأمن الوطني مع المسؤولية المتخصصة لمجلس الأمن السيبراني بقيادة الدكتور محمد الكويتي.

وفي الحروب الرقمية الحديثة، قد تكون أفضل علامة على الانتصار هي ألا يرى المواطن المعركة أصلاً. فإذا استمرت الطائرات في التحليق، والطاقة في التدفق، والمؤسسات في العمل بينما يجري اكتشاف الهجوم واحتواؤه خلف الشاشات، فإن منظومة الدفاع تكون قد حققت أهم أهدافها. وما أعلنته الإمارات في 10 أغسطس 2026 يقدم نموذجاً واضحاً لكيف أصبحت حماية الفضاء الرقمي ركناً من أركان قوة الدولة الحديثة.

Annonce publicitairespot_img

Catégories