Accueilبالعربيةجنوب القوقاز بين...

جنوب القوقاز بين الحرب والسلام: هل يستطيع الأرمن والأذربيجانيون بناء مصير مشترك؟

قراءة في كتاب إسحاق هموش «ديناميات السلام في جنوب القوقاز – الأمل في مصير مشترك»

في منطقة ظلت لعقود أسيرة الحروب والحدود المتنازع عليها والذاكرة المثقلة بالمآسي، يأتي كتاب إسحاق هموش «ديناميات السلام في جنوب القوقاز – الأمل في مصير مشترك» ليطرح سؤالًا يتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية المباشرة: هل تستطيع الشعوب التي فرقتها الحروب أن تنتقل من منطق الصراع إلى منطق المصير المشترك؟

يتخذ الكتاب من جنوب القوقاز مجالًا لدراسة هذا السؤال، مع تركيز خاص على العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان، وعلى السبل الممكنة لتحويل عقود من المواجهة وانعدام الثقة إلى مسار يقوم على الحوار والمصالحة والاستقرار.

جنوب القوقاز ليس مجرد منطقة جغرافية تقع بين أوروبا وآسيا، بل هو ملتقى حضارات وأديان ومصالح جيوسياسية متشابكة. ولذلك فإن أي تحول في العلاقات بين دوله لا يبقى محصورًا داخل حدوده، وإنما يمتد تأثيره إلى روسيا وتركيا وإيران وأوروبا، وإلى التوازنات الأوسع في الفضاء الأوراسي.

من الحرب إلى السؤال الأصعب: ماذا بعد؟

يصعب الحديث عن مستقبل جنوب القوقاز من دون استحضار النزاع الطويل بين أرمينيا وأذربيجان، وخصوصًا حول قره باغ.

فمع انهيار الاتحاد السوفياتي، تحول النزاع إلى حرب تركت جروحًا عميقة لدى الطرفين. وعلى مدى عقود، أصبحت المواجهات العسكرية والتهجير والضحايا والحدود المغلقة جزءًا من الذاكرة الجماعية للشعبين.

لكن الكتاب لا يتوقف عند سرد تاريخ الصراع، لأن السؤال الأهم يبدأ عندما تتوقف المعارك:

ماذا يحدث بعد الحرب؟

هل يكفي وقف إطلاق النار لصناعة السلام؟ وهل يمكن لاتفاق سياسي بين الحكومات أن يمحو عقودًا من الخوف والعداء وانعدام الثقة؟

هنا يميز الكتاب ضمنيًا بين مفهومين مختلفين: إنهاء الحرب وبناء السلام.

فالأول يمكن أن يتحقق بقرار سياسي أو اتفاق عسكري، أما الثاني فقد يحتاج إلى سنوات طويلة وإلى تغيير في العلاقات بين الدول والمجتمعات معًا.

السلام أكثر من غياب المدافع

من الأفكار الأساسية التي يطرحها الكتاب أن السلام الحقيقي لا يمكن اختزاله في توقف المواجهات العسكرية.

فقد تصمت المدافع، بينما تظل أسباب النزاع قائمة تحت السطح. وقد توقع الحكومات اتفاقات، بينما تستمر المجتمعات في النظر إلى بعضها بعضًا من خلال صور العدو والخوف والانتقام.

لذلك يتطلب بناء السلام إعادة تأسيس الثقة، وفتح قنوات التواصل، وتشجيع المصالح الاقتصادية المشتركة، وتهيئة المجتمعات لقبول فكرة العيش إلى جانب الآخر.

وهنا يتحول جنوب القوقاز من مجرد منطقة نزاع إلى مختبر سياسي وإنساني لفهم كيفية انتقال المجتمعات من الحرب إلى المصالحة.

أرمينيا وأذربيجان: الجغرافيا لا تتغير

مهما كانت نتائج الحروب ومهما تغيرت موازين القوى، تبقى حقيقة أساسية: الأرمن والأذربيجانيون سيظلون جيرانًا.

لا يستطيع أي طرف تغيير الجغرافيا.

ومن هنا تكتسب عبارة «الأمل في مصير مشترك» الواردة في عنوان كتاب إسحاق هموش معناها الحقيقي.

فالمصير المشترك لا يعني مطالبة أي شعب بالتخلي عن هويته أو ذاكرته أو روايته التاريخية، بل يعني الاعتراف بأن استمرار العداء له تكلفة بشرية واقتصادية وسياسية تدفعها الأجيال المتعاقبة.

وفي المقابل، يستطيع الاستقرار أن يفتح أبوابًا أخرى: التجارة، والاستثمار، وطرق النقل، والتعاون الإقليمي، وحرية الحركة، والتنمية.

وهكذا لا يصبح السلام مجرد قيمة أخلاقية، وإنما مصلحة استراتيجية للطرفين.

جنوب القوقاز في قلب الجغرافيا السياسية

لكن العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان لا تتطور بمعزل عن محيطها.

فالمنطقة تقع في فضاء تتقاطع داخله مصالح روسيا وتركيا وإيران والقوى الغربية. كما تشكل ممرًا استراتيجيًا للطاقة والتجارة والنقل بين آسيا وأوروبا.

ولهذا فإن طريقًا أو معبرًا حدوديًا أو اتفاقًا اقتصاديًا قد يحمل أهمية تتجاوز بكثير مساحته الجغرافية.

ومن هذه الزاوية، فإن السلام بين أرمينيا وأذربيجان يمكن أن يعيد تشكيل جزء مهم من الخريطة الجيوسياسية لجنوب القوقاز.

بدل أن تكون المنطقة ساحة دائمة للتنافس والحروب، يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى فضاء للربط الاقتصادي والتجاري بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

الانتصار العسكري لا يكفي لصناعة السلام

الحرب تقوم على ميزان القوة، أما السلام فيحتاج إلى منطق آخر.

قد ينتصر طرف عسكريًا، لكنه لا يستطيع بالقوة وحدها بناء علاقة مستقرة مع مجتمع سيظل يعيش إلى جواره.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد تغير موازين القوى: كيف يمكن الانتقال من الانتصار العسكري أو الهزيمة العسكرية إلى نظام سياسي يسمح للجميع بالعيش في استقرار؟

السلام الدائم يحتاج بالتأكيد إلى ضمانات أمنية واتفاقات واضحة، لكنه يحتاج أيضًا إلى تغيير في الخطاب السياسي والثقافي.

فإذا استمرت الأجيال الجديدة في التعلم بأن الشعب الموجود خلف الحدود هو «العدو الأبدي»، فإن أي اتفاق سلام سيظل هشًا.

المصالحة لا تعني نسيان التاريخ، وإنما تعني منع التاريخ من التحول إلى حكم مؤبد على المستقبل.

الاقتصاد بوصفه جسرًا بين الخصوم

إحدى الأدوات المهمة لبناء السلام يمكن أن تكون المصالح الاقتصادية المشتركة.

فالحدود تستطيع أن تكون خطوطًا عسكرية تفصل بين الشعوب، لكنها تستطيع أيضًا أن تصبح معابر للأشخاص والبضائع والاستثمارات.

وكلما ارتبط استقرار طرف بازدهار الطرف الآخر، ارتفعت تكلفة العودة إلى الحرب.

بطبيعة الحال، لا تستطيع التجارة وحدها حل النزاعات التاريخية، لكنها تستطيع أن تمنح المواطن العادي مصلحة ملموسة في استمرار السلام.

وعندها لا يعود السلام مجرد خطاب دبلوماسي أو وثيقة يوقعها القادة، بل يصبح جزءًا من الحياة اليومية.

هل تستطيع الشعوب تجاوز ذاكرة الحرب؟

ربما تكون هذه أصعب المسائل التي يثيرها موضوع الكتاب.

يمكن توقيع اتفاق خلال ساعات، لكن المصالحة بين مجتمعين قد تحتاج إلى عقود.

الأسر التي فقدت أبناءها، واللاجئون والنازحون، وكل من عاش تجربة الحرب، لا يستطيعون محو ذاكرتهم بمجرد توقيع اتفاق سياسي.

ولهذا فإن بناء السلام لا ينبغي أن يقوم على النسيان.

بل على العكس، المطلوب هو إيجاد طريقة للتذكر من دون تحويل الذاكرة إلى وقود لحرب جديدة.

إنها معادلة صعبة، لكنها ضرورية إذا أراد الأرمن والأذربيجانيون الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء مستقبل مختلف.

من جنوب القوقاز إلى العالم

لا تقتصر أهمية كتاب «ديناميات السلام في جنوب القوقاز – الأمل في مصير مشترك» لإسحاق هموش على النزاع الأرمني الأذربيجاني.

فالكتاب يطرح سؤالًا عالميًا: ماذا تفعل الشعوب بعد عقود من الحرب عندما تكتشف في النهاية أن أحدًا لا يستطيع إلغاء الآخر؟

قد تتغير الحكومات والتحالفات وموازين القوى، وقد تنتقل الحدود أو تتغير طرق التجارة، لكن الشعوب المتجاورة تبقى في النهاية محكومة بالجغرافيا.

ولهذا تصبح فكرة المصير المشترك واقعية بقدر ما تبدو مثالية.

يمكن لشعوب جنوب القوقاز أن تستمر في إدارة ذاكرة العداء، ويمكنها في المقابل أن تبدأ المسار الأصعب: إدارة الاختلاف وبناء المصالح المشتركة من دون إنكار الماضي.

وبين الخيارين تكمن مسؤولية السياسة.

فالسلام لا يبدأ عندما ينسى الخصمان ما حدث بينهما، ولا عندما يتفقان على قراءة واحدة للتاريخ.

يبدأ السلام عندما يدرك الطرفان أن مستقبل أبنائهما لا ينبغي أن يبقى رهينة لحروب آبائهما.

وتلك ربما هي الرسالة الأعمق التي يحملها عنوان كتاب إسحاق هموش: في منطقة عرفت الكثير من الحروب، قد لا يكون «الأمل في مصير مشترك» مجرد أمنية، بل ضرورة سياسية وإنسانية لبناء جنوب قوقاز جديد

Annonce publicitairespot_img

Catégories