Accueilبالعربيةالإسلام أوسع من...

الإسلام أوسع من الأركان الخمسة: بين الإسلام الجامع والملّة المحمدية ومعيار «من سلم الناس من لسانه ويده» – بقلم إسحاق هموش

حين نخلط بين الإسلام والملّة المحمدية نغلق بابًا واسعًا لفهم القرآن

ترسّخ في الوعي الإسلامي العام أن تعريف الإسلام يكاد ينحصر في الأركان الخمسة الواردة في الحديث النبوي المشهور: الشهادتان، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا. ولا خلاف هنا على المكانة المركزية لهذه العبادات في الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ، ولا يحتاج النقاش الجاد إلى إنكار حديث «بني الإسلام على خمس» حتى يعيد النظر في مفهوم الإسلام. القضية أعمق من ذلك؛ لأنها تتعلق بالسؤال عن معنى كلمة «الإسلام» في القرآن نفسه، وهل ظهرت هذه الكلمة مع بعثة محمد ﷺ فأصبحت اسمًا حصريًا للشريعة التي جاء بها، أم أن القرآن يستعملها بمعنى أوسع وأقدم، يشمل أنبياء وأممًا عاشوا قبل محمد بقرون وآلاف السنين؟ عندما نرجع إلى القرآن نجد أن الجواب واضح: الإسلام سابق تاريخيًا للشريعة المحمدية، والقرآن يصف نوحًا وإبراهيم وإسماعيل وأتباع الأنبياء السابقين بالإسلام، وهذا يعني بالضرورة أن هناك فرقًا ينبغي إدراكه بين الإسلام باعتباره الاستسلام لله والانقياد له، وهو الأصل الجامع للرسالات، وبين ما سأسميه في هذا المقال «الملّة المحمدية»، أي الصورة التشريعية والتعبدية التفصيلية التي جاء بها محمد ﷺ لأمته. وهذا التفريق لا ينتقص من رسالة محمد، وإنما يسمح لنا بفهم كيف كان إبراهيم مسلمًا قبل نزول القرآن، وكيف كان نوح مسلمًا قبل وجود رمضان بالشكل الذي نعرفه في شريعتنا، وكيف وصف الحواريون أنفسهم بأنهم مسلمون قبل بعثة خاتم الأنبياء.

نوح وإبراهيم كانا مسلمين قبل ظهور التفاصيل التشريعية للملّة المحمدية

من أقوى الأدلة على ضرورة التفريق بين الإسلام بمعناه الجامع وبين الشريعة المحمدية أن القرآن نفسه يستعمل لفظ «مسلم» و«المسلمين» في الحديث عن أشخاص عاشوا قبل محمد ﷺ بزمن طويل. يقول الله تعالى على لسان نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72]، ويقول عن إبراهيم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، ويضع على لسان إبراهيم وإسماعيل الدعاء: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: 128]. ودلالة عبارة «مسلمين لك» بالغة الأهمية؛ لأنها تربط الإسلام بالله مباشرة: الاستسلام لك، والانقياد لك، وإخلاص الوجه لك. فإسلام إبراهيم لم يكن انتسابًا تاريخيًا إلى جماعة ستظهر بعده بقرون، وإنما كان موقفًا وجوديًا ودينيًا من الله: أن يسلم الإنسان نفسه لله، وألا يشرك به، وأن ينقاد لما أمره به في الزمن والشريعة اللذين يعيش فيهما. وإذا تجاهلنا هذا المعنى الواسع وأصررنا على تعريف الإسلام حصريًا من خلال التفاصيل التشريعية التي استقرت في أمة محمد ﷺ، فسوف نقع في تناقض مع اللغة التي يستخدمها القرآن نفسه في وصف الأنبياء السابقين.

الإسلام في القرآن ليس اسمًا تاريخيًا ظهر في القرن السابع الميلادي

المسألة لا تتوقف عند نوح وإبراهيم، فالقرآن يجعل هذا الوصف ممتدًا عبر تاريخ النبوات. فعندما سأل عيسى الحواريين النصرة قالوا: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]. ويقول القرآن في أبناء يعقوب: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133]. هذه النصوص تجعل من الصعب اختزال الإسلام، في جميع استعمالاته القرآنية، في الانتماء التاريخي إلى أمة محمد وحدها. فالقرآن يقدم الإسلام باعتباره خيطًا يربط تاريخ الأنبياء بعضه ببعض: الإيمان بالله، وعدم الشرك به، وإسلام الوجه له، والانقياد لأمره، والعمل بما أوجبه على الإنسان بحسب الرسالة والشريعة التي بلغته. ومن هنا يصبح محمد ﷺ خاتمًا لسلسلة الإسلام وليس مؤسسًا لأول ظهور لمعنى الاستسلام لله؛ ولذلك يستطيع القرآن أن يتحدث عن إبراهيم بوصفه مسلمًا، وعن الحواريين بوصفهم مسلمين، من دون أي تناقض.

الدين الجامع واحد، أما الشرائع والتكاليف فتتعدد

هذه النقطة تصبح أكثر وضوحًا عندما نضع إلى جانب الآيات السابقة قول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. فالقرآن نفسه يقر بوجود «شرعة ومنهاج»، وبأن التفاصيل التشريعية ليست بالضرورة نسخة واحدة جامدة عبر جميع مراحل التاريخ النبوي. وهذا يسمح لنا بفهم وحدة الرسالات من جهة وتعدد شرائعها من جهة أخرى، من غير أن نضطر إلى إلغاء أحد الطرفين. الإسلام الجامع هو الاستسلام لله والإيمان به وعدم الإشراك به والانقياد لما يأمر به، بينما الشريعة تحدد كيف يتجسد ذلك الانقياد في مرحلة تاريخية ورسالة معينة. فالذي كان مطلوبًا من قوم موسى هو اتباع ما أنزل على موسى، والذي كان مطلوبًا ممن آمن بعيسى في زمانه هو اتباع ما جاء به عيسى، والذي يقتضي الإيمان بمحمد بعد بعثته اتباع ما جاء به. بهذا المعنى يكون الدين في أصله واحدًا بينما تختلف بعض تفاصيل التشريع، وهذا هو الإطار الذي يسمح بفهم الإسلام القرآني من دون اختزاله في صورة تاريخية واحدة.

وجود الصلاة قبل محمد لا يعني أن جميع الشرائع كانت متطابقة

ومن الضروري هنا تصحيح حجة قد تبدو لأول وهلة في صالح هذه الأطروحة لكنها في الحقيقة تضعفها، وهي القول إن نوحًا وإبراهيم وعيسى لم يعرفوا الصلاة أو الزكاة أو الصيام. القرآن لا يسمح لنا بهذا الجزم؛ بل يخبرنا صراحة بأن الصلاة والزكاة عرفتهما رسالات سابقة، فيقول عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 73]، ويقول عيسى عليه السلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]، كما يقول القرآن للمؤمنين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]. ولكن هذه الآيات لا تثبت أن جميع الأنبياء وأممهم كانوا يصلون الصلوات الخمس نفسها بالتفاصيل والهيئات والأوقات والشروط الفقهية نفسها، ولا أن صيام الأمم السابقة كان مطابقًا في جميع جزئياته لصيام رمضان في الشريعة المحمدية. الذي تثبته هو وجود أصل العبادة، أما صورتها التشريعية الدقيقة فتتبع الشريعة التي جاء بها كل رسول. وهذا في الحقيقة يقوي التفريق بين الإسلام الجامع وبين الشرائع بدل أن يضعفه.

ما أسميه «الملّة المحمدية» هو الصورة التشريعية التي جاء بها محمد وليس دينًا منفصلًا عن الإسلام

ينبغي أن يكون استعمال عبارة «الملّة المحمدية» هنا واضحًا حتى لا يقع سوء فهم مقصود أو غير مقصود. المقصود ليس الادعاء بأن محمدًا جاء بدين يناقض دين إبراهيم أو نوح، وليس الادعاء بأن القرآن قدّم رسميًا مصطلح «الملّة المحمدية» مقابل «الإسلام». فالقرآن، على العكس، يأمر محمدًا نفسه باتباع ملة إبراهيم في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]. وإنما أستعمل «الملّة المحمدية» هنا اصطلاحًا لتسمية المنظومة التشريعية والتعبدية التي بلغها محمد ﷺ لأمته، بما فيها تفاصيل الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر الأحكام. وبهذا التعريف تكون الملّة المحمدية تجليًا تاريخيًا وتشريعيًا للإسلام وليست نقيضًا له؛ أي أن الإسلام هو الدائرة الجامعة، والشريعة التي جاء بها محمد هي الطريقة التي أُمر أتباعه أن يعيشوا بها هذا الاستسلام لله.

حديث «بني الإسلام على خمس» لا ينبغي إنكاره، ولكن ينبغي تحديد المجال الذي يتحدث فيه

عندما يقول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»، فإن النص واضح في جعل هذه الخمس دعائم مركزية للإسلام الذي جاء به محمد ﷺ، ولا يحتاج الباحث إلى إنكار الحديث حتى يناقش الدلالة القرآنية الأوسع للإسلام. فالمشكلة تبدأ عندما ننتقل من قول الحديث «بني الإسلام على خمس» إلى استنتاج آخر لم يقله الحديث، وهو أن كل معنى للإسلام في القرآن منذ نوح وإبراهيم لا يمكن أن يوجد إلا بهذه الصورة التشريعية التفصيلية نفسها. فالقرآن نفسه يمنع هذا الاختزال عندما يسمي السابقين مسلمين. وبالتالي يمكن الجمع بين النصين بلا صدام: الأركان الخمسة هي دعائم أساسية في الشريعة المحمدية، أما الإسلام بمعناه الجامع فهو أقدم من بعثة محمد وأوسع تاريخيًا من التفاصيل التشريعية التي جاءت في زمنه. وهذا الجمع أكثر اتساقًا من محاولة إجبار جميع الاستعمالات القرآنية لكلمة «الإسلام» على معنى تاريخي واحد.

«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»: حين ينتقل تعريف الإسلام من الشعيرة إلى أثر الإنسان في الإنسان

من أكثر النصوص النبوية إثارة للتأمل في هذا السياق قول النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». لا ينبغي أن نستعمل هذا الحديث لإلغاء الصلاة والصيام والزكاة، لأنه لا يقول ذلك، ولكن لا يجوز أيضًا إفراغه من قوته وتحويله إلى مجرد نص لطيف عن حسن الأخلاق. النبي هنا يربط وصف «المسلم» بأمر بالغ الواقعية: أن يأمن الآخرون من لسان الإنسان ويده. واللسان ليس مجرد الشتيمة؛ إنه الكذب والقذف والبهتان وشهادة الزور والتشهير والتحريض وإفساد سمعة الناس وإذلالهم. واليد ليست فقط الضرب؛ إنها رمز القدرة على العدوان، وأكل الأموال، وسلب الحقوق، والبطش بالضعيف، واستعمال القوة للإضرار بالآخر. بهذا المعنى يخرج الإسلام من المجال الشعائري الضيق إلى المجال الإنساني المباشر، ويصبح السؤال عن تدين الإنسان مرتبطًا كذلك بالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين. فليس كافيًا أن يعرف المجتمع عدد ركعات الإنسان بينما لا يهتم بما إذا كان هذا الإنسان أمينًا في المال، عادلًا مع الضعيف، صادقًا في القول، حافظًا للعهد، ومأمون الجانب.

العبادة في القرآن ليست حركة منفصلة عن الأخلاق وإنما وسيلة لصناعة الإنسان

القرآن نفسه يمنع الفصل بين الشعيرة والسلوك عندما يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فالآية لا تقدم الصلاة بوصفها حركة جسدية مكتفية بذاتها، وإنما تنسب إليها وظيفة أخلاقية واضحة، وهي النهي عن الفحشاء والمنكر. معنى ذلك أن السؤال عن الصلاة لا ينتهي عند سؤال الأداء، بل يمتد إلى سؤال الأثر: ماذا صنعت الصلاة في الإنسان؟ وهل جعلته أقل ظلمًا وأكثر أمانة ورحمة وضبطًا لنفسه؟ فإذا حافظ المرء على الشكل التعبدي ثم ظل يغش ويكذب ويظلم ويأكل حقوق الناس ويهينهم، فلا يكون الاستنتاج أن الصلاة غير مهمة، وإنما أن هناك انفصالًا بين أداء الشعيرة وبين الغاية التي ينسبها القرآن إليها. وهذا فارق بالغ الأهمية؛ لأن نقد التدين الشكلي لا يعني نقد الصلاة، بل يعني الدفاع عن معناها القرآني ضد تحويلها إلى عادة جسدية منفصلة عن الضمير.

حديث المفلس يكشف خطورة الاعتقاد بأن الشعائر تمحو تلقائيًا حقوق البشر

ويزداد هذا المعنى قوة في حديث المفلس، حين يصف النبي ﷺ إنسانًا يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه يأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فتوزع حسناته على الذين ظلمهم، فإن نفدت حسناته قبل أداء ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه. القيمة الفكرية الهائلة لهذا الحديث تكمن في أن الشخص المذكور لم يكن خاليًا من العبادة؛ بل جاء بصلاة وصيام وزكاة، أي بأعمال تعد من أعظم شعائر الشريعة، ومع ذلك لم تمنحه هذه العبادات حصانة من نتائج ظلمه للناس. وهذا ينسف تصورًا شائعًا يجعل العلاقة بالله منفصلة عن العلاقة بالإنسان، كأن بإمكان المرء أن يعوض الظلم بمزيد من الطقوس. الحديث يقول العكس تقريبًا: حقوق الناس خطيرة إلى درجة أن حسنات العبادات نفسها تدخل في تسوية المظالم يوم القيامة. وهنا نفهم لماذا كان «سلامة الناس من اللسان واليد» معيارًا نبويًا عميقًا، ولماذا لا يجوز اعتبار الأخلاق ملحقًا تجميليًا بالدين بعد الانتهاء من «الأمور المهمة».

القرآن نفسه يرفض اختزال البر في الاتجاهات والطقوس ويجمع الإيمان والعبادة والعدالة الاجتماعية

من أوسع الآيات التي تكسر التصور الاختزالي للدين قول الله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177]. هذه الآية لا تلغي الصلاة، بل تضعها داخل بناء أوسع بكثير؛ فهناك الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وهناك إعطاء المال للأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين، وهناك الصلاة والزكاة، وهناك الوفاء بالعهد والصبر. أي إن القرآن لا يقدم لنا إنسانًا متدينًا من بُعد واحد، وإنما شخصية دينية تتشابك فيها العقيدة والعبادة والمال والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية. وهذا هو الفهم الذي ينبغي أن يعيد التوازن إلى مفهوم الإسلام.

المشكلة ليست في الأركان الخمسة وإنما في تحويل الإسلام كله إلى الأركان الخمسة

هناك فرق جوهري بين القول إن الصلاة والزكاة والصيام والحج من دعائم الشريعة المحمدية، وبين القول إن الدين كله يمكن اختزاله في أداء هذه الشعائر. المشكلة التي ينبغي مناقشتها ليست كثرة الصلاة، وإنما إمكانية أن تصبح الصلاة في بعض البيئات معيارًا اجتماعيًا شبه وحيد للحكم على الإنسان، بينما يتراجع الصدق والأمانة والعدل والرحمة واحترام حقوق الناس إلى المرتبة الثانية. قد يُنظر إلى رجل بوصفه شديد التدين لأنه لا يفوّت صلاة في المسجد، بينما يعرف من يتعاملون معه أنه يغش في التجارة أو يظلم عماله أو يأكل ميراث أخواته أو يشهد زورًا أو يؤذي أسرته أو يشهر بالناس. هنا لا تكون المشكلة في الصلاة، وإنما في ميزان ديني مختل أعطى العلامة الظاهرة قيمة أكبر من الثمرة الأخلاقية التي يفترض أن تنتج عنها. ومن هذه الزاوية يصبح حديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» تصحيحًا ضروريًا لهذا الاختلال، لأنه يعيد الإنسان الآخر إلى قلب السؤال الديني.

لا يمكن تحويل «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده» إلى ركن فقهي وحيد، لكن يمكن اعتباره معيارًا أخلاقيًا جامعًا

إذا أردنا أن تكون الحجة متينة أمام النقد، فمن غير الدقيق القول إن الإسلام ليس له إلا «ركن واحد» هو أن يسلم الناس من لسان المسلم ويده، لأن النص النبوي لم يستخدم عبارة «الركن الوحيد»، ولدينا في المقابل حديث صحيح صريح يقول «بني الإسلام على خمس». الإصرار على عبارة «الركن الوحيد» يفتح الباب أمام الاعتراض الأسهل ويصرف النقاش عن الفكرة الأعمق. أما الأطروحة الأقوى فهي أن حديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» يقدم معيارًا أخلاقيًا جامعًا لثمرة الإسلام في الإنسان، في حين يقدم حديث «بني الإسلام على خمس» دعائم تعبدية وتشريعية للرسالة المحمدية. لا ضرورة لجعل الحديثين يتصارعان؛ لأن أحدهما يبين بنية من بنيات التكليف، والآخر يكشف أثر الدين المفترض في علاقة الإنسان بالآخرين. فإذا جمعناهما بدل أن نضرب أحدهما بالآخر ظهرت صورة الإسلام أكثر توازنًا وعمقًا.

القول إن الإسلام أوسع من الصلاة ليس قولًا إن الصلاة لا علاقة لها بالإسلام

هذه النقطة ضرورية حتى لا يتحول النقاش إلى معركة حول عبارة يمكن إساءة فهمها بسهولة. لا يستطيع قارئ القرآن أن يقول بجدية إن الصلاة «لا علاقة لها بالإسلام»، فالقرآن يأمر بها في مواضع كثيرة وينسبها حتى إلى رسالات سابقة، لكن يستطيع أن يقول، وبقوة نصية كبيرة، إن الإسلام لا يمكن اختزاله في الصلاة. والفرق بين العبارتين جوهري. الصلاة جزء من المنظومة الدينية، ولكنها ليست التعريف الوحيد للإسلام الجامع؛ وإلا لوقعنا في إشكال تفسير إسلام نوح وإبراهيم والحواريين ضمن شرائع مختلفة. والأقوى فكريًا ألا نحاول تحرير الإسلام من الصلاة، بل تحرير مفهوم الإسلام من الاختزال في الصلاة. فالإسلام القرآني أوسع: توحيد واستسلام لله وإيمان وعمل صالح وعدل وأمانة ورحمة ووفاء بالعهود وعبادات ومسؤوليات تجاه الآخرين.

بين المسلم الذي يسجد لله والمسلم الذي يأمنه الإنسان لا ينبغي أن يكون هناك تناقض

أخطر ما يمكن أن يحدث للدين هو أن يصبح السجود لله منفصلًا عن الامتناع عن ظلم عباد الله، وأن يصبح طول الوقوف في الصلاة ممكنًا بالتوازي مع أكل حقوق الناس من دون أن يشعر المجتمع بوجود تناقض كبير. القرآن والسنة، إذا قرئناهما في مجموعهما، لا يسمحان بهذا الانفصال. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والمفلس قد يأتي بالصلاة والصيام والزكاة ثم يخسر حسناته بسبب اعتدائه على الناس، والمسلم يوصف بأنه من سلم المسلمون من لسانه ويده. ومن ثم فإن العلاقة بالله والعلاقة بالإنسان ليستا طريقين منفصلين تمامًا؛ فالتعبد لله يفترض أن يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالخلق. وكلما ازداد المرء عبادة بينما ازداد الناس خوفًا من ظلمه ولسانه ويده، أصبح هناك سؤال حقيقي عن الأثر الذي أحدثته تلك العبادة في شخصيته.

الإسلام الذي سبق محمدًا والإسلام الذي جاء محمد ليتمم رسالته

حين نقرأ تاريخ الأنبياء كما يقدمه القرآن نجد أن الإسلام ليس ملكية تاريخية لجيل واحد ولا كلمة بدأت مع ظهور مجتمع المدينة، وإنما هو الاسم الذي يعطيه القرآن للاستسلام لله عبر مسيرة النبوة. نوح مسلم، وإبراهيم مسلم، وإسماعيل مسلم، وأبناء يعقوب يقولون إنهم لله مسلمون، والحواريون يشهدون بأنهم مسلمون، ثم يأتي محمد ﷺ في السياق نفسه خاتمًا للنبوة وحاملًا لشريعة خاتمة. ومن هنا فإن التفريق بين الإسلام الجامع والملّة المحمدية، بالمعنى الاصطلاحي الذي شرحناه، لا ينتقص من محمد، بل يضع رسالته داخل السلسلة القرآنية الكبرى للنبوات. الإسلام هو الجذر، والشرائع هي صور الامتثال التاريخية التي جاءت بها الرسالات، والرسالة المحمدية هي خاتمة هذه الرسالات في الاعتقاد الإسلامي.

الخلاصة: لا نحتاج إلى هدم الصلاة حتى نعيد الإنسان إلى قلب الإسلام

المسألة في النهاية ليست معركة بين الصلاة والأخلاق، ولا بين القرآن والسنة، ولا بين «بني الإسلام على خمس» و«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». مثل هذا التصوير يجعلنا نختار بين نصوص يمكن جمعها في رؤية أكثر اتساعًا. الإسلام في دلالته القرآنية الجامعة سابق على الشريعة المحمدية؛ فهو استسلام لله وتوحيد له وانقياد لأمره، وقد وصف القرآن به نوحًا وإبراهيم والحواريين وغيرهم. أما الرسالة التي جاء بها محمد ﷺ فلها بناؤها التشريعي والتعبدي، ومن دعائمه الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج. وفي قلب هذه الرسالة نفسها جاء التحذير من أن تتحول العبادة إلى شكل منفصل عن الأخلاق، فجاء حديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وجاء حديث المفلس ليبين أن الصلاة والصيام والزكاة لا تمحو تلقائيًا حقوق الذين ظلمناهم. ولذلك فإن القضية التي تستحق أن نناقشها اليوم ليست كيف نقلل من قيمة الصلاة، بل كيف نعيد إليها معناها، وليست كيف نهدم الأركان الخمسة، بل كيف نمنع اختزال الإسلام كله فيها. إن المجتمع لا يحتاج فقط إلى إنسان يعرف كيف يقف بين يدي الله، وإنما يحتاج كذلك إلى إنسان يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم وكرامتهم وأعراضهم وحقوقهم؛ وعندما يجتمع السجود لله مع العدل تجاه الإنسان، تكون الشعيرة قد اقتربت من غايتها، ويصبح معنى الإسلام أعمق من مجرد العلامة الدينية الظاهرة وأقرب إلى ذلك الاستسلام لله الذي جمع، في التعبير القرآني، مسيرة الأنبياء من قبل محمد إلى الرسالة التي خُتمت به.

Annonce publicitairespot_img

Catégories