خمسة عشر عاماً بعد دستور 2011: تقارير تكشف الاختلالات، ملفات تصل إلى القضاء، شباب يهاجرون نحو سبتة، وثقة سياسية تتآكل… فلماذا لا يزال المغربي يسأل: أين هي المحاسبة؟
من شعار دستوري كبير إلى سؤال شعبي لم يجد جوابه بعد
منذ اعتماد دستور سنة 2011، أصبحت عبارة «ربط المسؤولية بالمحاسبة» جزءاً من البناء الدستوري للمملكة، ولم تعد مجرد شعار سياسي يُرفع خلال الحملات الانتخابية أو في خطابات الأحزاب. فالفصل الأول من الدستور يربط صراحة ممارسة المسؤولية بمبدأ المحاسبة، وهو مبدأ يفترض، في معناه البسيط، أن من يتولى تدبير المال العام أو مؤسسة عمومية أو جماعة ترابية أو وزارة أو مسؤولية سياسية لا يحصل فقط على سلطة وامتيازات، وإنما يتحمل مقابلها واجب تقديم الحساب والجواب عن النتائج والأخطاء والتجاوزات. وبعد خمسة عشر عاماً تقريباً، يظل السؤال مطروحاً بقوة أكبر: لماذا ما زال جزء واسع من المجتمع المغربي يشعر بأن المسؤولية موجودة، بينما المحاسبة أبطأ وأقل وضوحاً منها؟ ولماذا يسمع المواطن عن تقارير ومخالفات واختلالات مالية وإحالات وتحقيقات، ثم لا يعرف في حالات كثيرة ماذا حدث بعد ذلك؟
هذه المعضلة لا تعني أن المغرب لا يعرف أي نوع من المحاسبة، لأن ذلك سيكون حكماً غير دقيق. هناك محاكمات وأحكام وملفات لجرائم الأموال، وهناك المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات والنيابة العامة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ومفتشيات ومؤسسات متعددة. لكن المشكلة التي تفسر جانباً كبيراً من الغضب الشعبي هي وجود مسافة طويلة بين اكتشاف الاختلال وبين ظهور النتيجة النهائية للمحاسبة أمام المواطن. عندما يستغرق الملف سنوات من البحث والتحقيق والمحاكمة، أو عندما يعرف الرأي العام بداية القضية ولا يعرف نهايتها، تتحول المؤسسات في نظر جزء من المجتمع إلى منتجة للتقارير أكثر منها منتجة للردع.
المجلس الأعلى للحسابات يكتشف ويحيل… لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع المحاسبة
من الأخطاء الشائعة اعتبار المجلس الأعلى للحسابات جهة تستطيع أن تقرأ تقريراً صباحاً، وتقرر مساءً إرسال وزير أو رئيس جماعة أو مدير مؤسسة إلى السجن. هذا ليس اختصاصه القانوني. المحاكم المالية تراقب تدبير المال العام، وتدقق في الحسابات، وتنظر في التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، وتتابع ملفات التصريح بالممتلكات وتنجز مهام رقابية متعددة. وإذا ظهرت أثناء هذه الرقابة وقائع يمكن أن تشكل جرائم، فإن المسار ينتقل إلى السلطات القضائية المختصة. وهذا التمييز أساسي، لأن كل خطأ في التدبير ليس بالضرورة اختلاساً، وكل ملاحظة رقابية ليست جريمة، وكل إحالة إلى النيابة العامة لا تجعل المعني مداناً قبل صدور حكم قضائي نهائي.
لكن الأرقام الرسمية تكشف في الوقت نفسه سبب استمرار السؤال حول بطء المحاسبة. فقد أوضحت الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات زينب العدوي أن مجموع الملفات ذات الطابع الجنائي التي أحالتها المحاكم المالية خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025 بلغ 55 ملفاً. ووفق المعطيات المحينة التي أعلن عنها في فبراير 2026، كانت ستة ملفات فقط قد وصلت إلى قرارات نهائية، فيما كانت خمسة ملفات أمام المحاكم، وستة في مرحلة التحقيق، وأربعة وثلاثون في مرحلة البحث، بينما حُفظت أربعة ملفات. هذه الأرقام لا تعني أن 55 شخصاً أدينوا بالفساد، لكنها توضح شيئاً آخر مهماً جداً: الجزء الأكبر من الملفات التي تحمل شبهة جنائية كان لا يزال داخل مسار البحث والتحقيق والمتابعة بعد سنوات من بدء هذه الفترة.
هنا تظهر إحدى مشكلات المنظومة. العدالة يجب أن تكون متأنية حتى لا تظلم الناس، لكن العدالة البطيئة جداً تفقد جزءاً من أثرها الردعي أيضاً. المواطن الذي يسمع في سنة معينة عن اختلالات بملايين الدراهم ثم لا يعرف بعد خمس أو ست سنوات هل انتهى الملف إلى إدانة أو براءة أو حفظ، يبدأ تدريجياً في الاعتقاد بأن التقرير نفسه هو نهاية المسار، بينما التقرير في دولة المؤسسات يجب أن يكون أحياناً مجرد بدايته.
المحاسبة لا تعني السجن فقط… ولكن لا ينبغي أيضاً أن تتحول الأخطاء الجسيمة إلى مجرد «سوء تدبير»
من الضروري التمييز بين المحاسبة السياسية والمحاسبة الإدارية والمحاسبة المالية والمحاسبة الجنائية. قد يفشل وزير أو مسؤول فشلاً سياسياً خطيراً من دون أن يكون قد سرق درهماً واحداً، وفي الديمقراطيات توجد مسؤولية سياسية قد تؤدي إلى الاستقالة أو الإعفاء. وقد يرتكب موظف أو مسؤول مخالفة إدارية تستوجب عقوبة تأديبية. وقد تقع مخالفات مالية تدخل ضمن اختصاص المحاكم المالية. أما عندما تكون هناك رشوة أو اختلاس أو تبديد أو تزوير أو استغلال نفوذ أو غير ذلك من الجرائم التي يحددها القانون، فإننا ننتقل إلى المسؤولية الجنائية التي لا تثبت إلا أمام القضاء.
المشكلة تظهر عندما يختزل النقاش المغربي كله في خيارين: إما «الفاسد يجب أن يدخل السجن»، أو «المجلس لم يقل إنه مجرم وبالتالي لا توجد مشكلة». بين الحالتين توجد منطقة واسعة من المسؤولية السياسية والإدارية والمالية. فإذا ثبت مثلاً أن مسؤولاً أشرف لسنوات على قطاع عرف إخفاقات خطيرة ومتكررة وأهدرت فيه موارد أو تعطلت مشاريع أساسية، فقد لا يكون ذلك جريمة جنائية، لكنه يظل سؤالاً مشروعاً حول المسؤولية السياسية. والديمقراطية الجيدة لا تنتظر دائماً حكم محكمة جنايات حتى تقول للمسؤول: لقد فشلت، وعليك أن تتحمل نتيجة فشلك.
لماذا تضعف ثقة المغاربة في السياسة؟ الأرقام تؤكد أن المشكلة ليست مجرد إحساس
الحديث عن تراجع الثقة في السياسة ليس مجرد انطباع يُسمع في المقاهي أو مواقع التواصل الاجتماعي. مسح الباروميتر العربي الذي أجري في المغرب بين دجنبر 2023 ويناير 2024 وشمل أكثر من 2400 شخص أظهر أن الثقة في الحكومة بلغت حوالي 33%، وأن الثقة في رئيس الحكومة بلغت نحو 30%، مقابل 38% للبرلمان. وفي الوقت نفسه، وضع المستجوبون الاقتصاد والفساد والخدمات العمومية في مقدمة أهم التحديات التي تواجه البلاد؛ فقد اعتبر 22% أن الاقتصاد هو التحدي الأكبر، و20% أن الفساد هو المشكلة الأكبر، و18% أشاروا إلى الخدمات العامة. وفي المقابل، أظهر الاستطلاع أن 68% يؤيدون نظاماً برلمانياً متعدد الأحزاب، وهي نتيجة مهمة لأنها تعني أن ضعف الثقة في الممارسة السياسية لا يعني بالضرورة رفض السياسة أو الديمقراطية نفسها، بل يمكن أن يعني أن الناس يريدون مؤسسات أكثر فعالية ومساءلة.
وهذا ربما يفسر واحدة من أكبر أزمات السياسة المغربية اليوم: المواطن قد لا يكون ضد الدولة أو ضد المؤسسات أو ضد وطنه، لكنه لم يعد يريد أن يسمع كل خمس سنوات الكلمات نفسها. عندما يأتي موسم الانتخابات ويتكرر الحديث عن الصحة والتعليم والشغل والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة، ثم تمر الولاية الحكومية ويجد المواطن نفسه أمام المشكلات نفسها، يتحول الوعد السياسي تدريجياً في وعيه إلى مجرد خطاب انتخابي. ومع تكرار العملية، تنتقل الأزمة من عدم الثقة في هذا الحزب أو ذاك إلى عدم الثقة في السياسة نفسها.
عندما يصبح الشاب مقتنعاً بأن البحر أكثر أملاً من السياسة: ماذا تقول لنا أحداث سبتة؟
الأحداث التي شهدتها منطقة الفنيدق وسبتة في نهاية يوليوز وبداية غشت 2026 يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها قضية حدود وهجرة غير نظامية. التقارير المتداولة تحدثت عن أعداد كبيرة من الشباب المغاربة الذين حاولوا الوصول إلى سبتة خلال موجة استثنائية غذتها أيضاً منشورات ومعلومات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، وما رافق ذلك من إحباط عميق لدى شباب رأى للحظات في العبور نحو أوروبا فرصة لتغيير حياته.
لا يمكن بالطبع اختزال آلاف الأشخاص في سبب واحد. بعضهم قد يكون مدفوعاً بالحلم الأوروبي، وبعضهم بالبطالة، وبعضهم بالمغامرة، وبعضهم بمعلومات مضللة انتشرت على الإنترنت. لكن حتى بعد استبعاد كل المبالغات، يبقى السؤال السياسي والاجتماعي مرعباً في بساطته: لماذا يستطيع وعد مجهول على هاتف محمول بأن الحدود قد تكون مفتوحة أن يدفع آلاف الشباب إلى ترك بيوتهم والتوجه نحو البحر والحدود؟ ولماذا يكون لدى شاب في مقتبل العمر استعداد للمخاطرة بحياته من أجل احتمال ضعيف بالوصول إلى أوروبا؟
هذه المسألة تصبح أكثر دلالة عندما نضع بجانبها أرقام سوق الشغل. المندوبية السامية للتخطيط أفادت بأن الاقتصاد المغربي خلق 193 ألف منصب شغل خلال سنة 2025، وهو تطور إيجابي، لكن البطالة بقيت مرتفعة، ولا سيما بين الشباب. وبحسب النتائج السنوية لسنة 2025، بلغت البطالة لدى الفئة بين 15 و24 سنة 37,2%، مقارنة بـ13% على المستوى الوطني وفق المنهجية المستخدمة آنذاك. كما وصل عدد العاطلين إلى أكثر من 1,62 مليون شخص. وبعد اعتماد البحث الجديد للقوى العاملة في 2026 تغيرت منهجية القياس وأظهرت بيانات الفصل الأول معدل بطالة وطنياً قدره 10,8%، لكنه ظل مرتفعاً جداً لدى الشباب من 15 إلى 24 سنة عند 29,2%.
المشكلة إذن ليست القول إن «كل الشباب يريد الهجرة»، فهذا غير صحيح، ولا القول إن المغرب لم يحقق أي تقدم اقتصادي، فهذا أيضاً غير صحيح. المشكلة هي أن بلداً يمكن أن يحقق نمواً واستثمارات ومشاريع بنية تحتية كبيرة، وفي الوقت نفسه يظل جزء من شبابه يشعر بأن هذا النمو لا يصل إليه. وهذه الفجوة بين صورة المغرب الصاعد اقتصادياً وبين تجربة المواطن اليومية يمكن أن تصبح أخطر من الأرقام الاقتصادية نفسها إذا لم تُعالج.
سبتة ليست مجرد حدود مع إسبانيا؛ إنها مرآة لسؤال اجتماعي مغربي
بعد أحداث سبتة، برز تحليل واسع يربط ما وقع بارتفاع بطالة الشباب وضعف الحركية الاجتماعية واستمرار الفوارق، ويطرح سؤالاً حول العقد الاجتماعي نفسه: كيف يشعر المواطن بأن التقدم الاقتصادي الوطني ينعكس فعلاً على حياته وعلى فرص أبنائه؟
هذا السؤال ينبغي ألا يُعتبر هجوماً على المغرب. على العكس، يمكن أن يكون أحد أكثر الأسئلة وطنية. حب الوطن لا يعني القول إن كل شيء ممتاز. المواطن الذي يريد مدرسة عمومية محترمة ومستشفى يحفظ كرامة المريض وفرصة عمل تحفظ كرامة الشاب وعدالة مستقلة وإدارة لا تطلب الرشوة ومدينة نظيفة وماءً ونقلاً وسكناً لائقاً لا يطالب بإسقاط وطنه؛ إنه يطالب بأن يكون وطنه أفضل. والمشكلة تبدأ عندما يصبح النقد الاجتماعي نفسه مشتبهاً فيه، أو عندما يشعر المواطن أن التعبير عن الغضب من الاختلالات قد يحوله من مواطن صاحب حق إلى شخص ينظر إليه باعتباره خصماً أو مصدر إزعاج.
حرية التعبير: هل يمكن محاربة الفساد إذا خاف الناس من الكلام عنه؟
لا يمكن بناء منظومة حقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة من دون فضاء يسمح للصحفي والباحث والناشط والمواطن بطرح الأسئلة الصعبة. طبعاً، حرية التعبير ليست حقاً في التشهير بالأشخاص أو اختراع اتهامات جنائية بلا أدلة. من يتهم شخصاً بالسرقة أو الاختلاس يجب أن يقدم الدليل، ويجب حماية سمعة المواطنين وقرينة البراءة. لكن في الاتجاه الآخر، لا ينبغي أن يصبح القانون وسيلة تجعل المواطن يخاف من انتقاد الإدارة أو الحكومة أو الحديث عن الفساد أو سوء الخدمات أو انتهاكات محتملة.
خلال السنوات الأخيرة، أثارت منظمات حقوقية وطنية ودولية عدة قضايا تتعلق بمتابعات صحفيين ومدونين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان على خلفية تصريحات أو منشورات أو مواقف اعتبرتها هذه المنظمات مرتبطة بحرية التعبير والتجمع السلمي. وفي المقابل، تستند السلطات والقضاء إلى مقتضيات قانونية مختلفة في الملفات المعروضة أمام المحاكم. وهذه المنطقة تحتاج إلى نقاش وطني هادئ ودقيق، لأن حماية حرية التعبير لا تعني تعطيل القانون، كما أن تطبيق القانون لا ينبغي أن يتحول إلى سبب يجعل الصحفي أو المواطن يخشى مجرد طرح سؤال حول المال العام أو سوء التدبير.
المواطن الذي ينتقد المستشفى والمدرسة ليس عدواً للدولة
من أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها أي دولة هو الخلط بين المعارضة والعداء، وبين الانتقاد والخيانة، وبين الغضب الاجتماعي والرغبة في الفوضى. يمكن للإنسان أن يكون مغربياً حتى النخاع، يحب بلده وملكه وشعبه وأرضه، وفي الوقت نفسه يغضب عندما يرى مستشفى لا يقدم خدمة تليق بالمواطن أو مدرسة لا تمنح أبناء الفقراء الفرصة نفسها التي يحصل عليها أبناء الميسورين. ويمكن أن يفتخر بالطرق والقطارات والمطارات والموانئ والاستثمارات الكبرى، وفي الوقت نفسه يسأل لماذا لا تزال قرية بعيدة تعاني من نقص طبيب أو ماء أو نقل مدرسي.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا ينتقدها أحد. الدولة القوية هي التي تستطيع سماع النقد، وتصحيح الخطأ، ومعاقبة الفساد، وتقديم المعلومات، ثم الرد بالأرقام والإنجازات عندما يكون النقد غير منصف. عندما يشعر المواطن أن صوته يمكن أن يؤدي إلى تحقيق أو إصلاح أو تغيير مسؤول، تتحول حرية التعبير نفسها إلى إحدى آليات مكافحة الفساد. أما إذا شعر الناس أن الكلام لا يغير شيئاً، أو أن الكلام قد يكلفهم أكثر من الصمت، فإن الفساد يحصل على أفضل حليف يمكن أن يتمناه: الخوف والصمت.
من احتجاجات جيل Z إلى سؤال الكرامة: المطالب ليست معقدة كما يصورها البعض
المغرب عاش منذ خريف 2025 موجة احتجاجات شبابية لافتة ارتبط جزء منها بحركات شبابية رقمية، وتركزت المطالب بصورة كبيرة حول الصحة والتعليم والشغل ومحاربة الفساد. وقد ظهر بوضوح خلال هذه التعبئات إحساس لدى جزء من الشباب بأن المشاريع الاقتصادية الكبرى لا تنعكس بالقدر نفسه على الخدمات الأساسية والفرص الاجتماعية، بينما أكدت الحكومة في أكثر من مناسبة مشروعية عدد من المطالب الاجتماعية وضرورة مواصلة الإصلاحات.
وهذا مهم لأن المطالب، في جوهرها، ليست برنامجاً أيديولوجياً معقداً. شاب يطلب وظيفة بعد الدراسة، وأسرة تطلب طبيباً حين يمرض طفلها، وأب يريد مدرسة تحفظ مستقبل ابنه، ومواطن يريد إدارة لا يضطر فيها إلى البحث عن «معرفة»، ومقاول صغير يريد صفقة تحسمها الكفاءة لا العلاقات، ومواطن يريد أن يعرف ماذا وقع لأموال مشروع عمومي تأخر سنوات. هذه الأشياء هي المعنى اليومي لكلمة «الدولة». ومن هنا يصبح ربط المسؤولية بالمحاسبة مسألة خبز ومستشفى ومدرسة وعمل، وليس مجرد مفهوم دستوري يناقشه أساتذة القانون.
وماذا عن احتجاجات الأحد 9 غشت 2026؟ يجب ألا نسبق الوقائع
مع حلول مساء السبت 8 غشت 2026، يجري تداول حديث عن احتجاجات وتحركات مرتقبة يوم الأحد 9 غشت في المغرب ومطالب اجتماعية وحقوقية مرتبطة بالأوضاع الراهنة. لكن لا يزال من الضروري التعامل بحذر مع الحديث عن مظاهرات وطنية شاملة ومنظمة في جميع أنحاء المغرب قبل اتضاح حجم التعبئة الفعلية والجهات المنظمة والمدن المعنية.
لكن حتى إذا بقيت الدعوات محدودة أو اتسعت، فإن وجود مناخ احتجاجي في حد ذاته ليس مفاجئاً في ضوء ما عرفه المغرب خلال الأشهر الماضية. والأهم ليس فقط عدد الأشخاص الذين سيخرجون إلى الشوارع، بل طبيعة الرسالة التي تتكرر: الصحة، المدرسة، الشغل، القدرة الشرائية، العدالة، مكافحة الفساد، الكرامة والحق في التعبير. إذا تكررت المطالب نفسها عبر مدن وأجيال وأشكال احتجاج مختلفة، فالمشكلة لا تصبح في من أطلق الهاشتاغ أو من دعا إلى الوقفة، وإنما في السؤال عن السبب الذي يجعل هذه المطالب تحتفظ بقوتها عاماً بعد عام.
لماذا يشعر المواطن أحياناً أن هناك مغربين مختلفين؟
جزء من التوتر الاجتماعي مصدره التناقض بين صورتين حقيقيتين للمغرب في الوقت نفسه. هناك مغرب أنجز طرقاً سريعة وموانئ عالمية وقطارات فائقة السرعة ومطارات ومصانع للسيارات والطائرات والطاقة المتجددة، ويستقطب الاستثمارات وينظم تظاهرات دولية ويستعد لكأس العالم 2030. وهذه إنجازات فعلية لا معنى لإنكارها. لكن هناك أيضاً مغرب آخر يراه المواطن عندما يبحث عن سرير في مستشفى، أو ينتظر موعداً طبياً، أو يبحث شاب حاصل على شهادة عن أول وظيفة، أو يجد مدرساً أمام قسم مكتظ، أو تعاني قرية من العزلة.
السياسة الناجحة لا تختار بين المغربين ولا تستخدم أحدهما لإنكار الآخر. السؤال هو كيف نجعل الاستثمار في البنية التحتية الكبرى ينتج أيضاً بنية تحتية للكرامة: مستشفى جيد، مدرسة جيدة، وظيفة جيدة، قضاء يمكن الوثوق به وإدارة تحترم المواطن. فعندما يرى الشاب ملعباً عالمياً ولا يجد مستشفى في مستوى طموحه، لا يصبح الملعب في حد ذاته المشكلة؛ المشكلة هي إحساسه بأن ترتيب الأولويات لا يضع حياته اليومية في المكان نفسه الذي تضعه فيه الدولة في خطابها.
من أين لك هذا؟ سؤال بسيط يحتاج إلى منظومة قانونية أقوى
من أهم أدوات المحاسبة الحديثة تتبع تطور ثروة المسؤول العمومي. التصريح بالممتلكات موجود في المغرب، لكن القيمة الحقيقية لأي نظام للتصريح بالممتلكات ليست في إيداع ورقة داخل مؤسسة، وإنما في إمكانية مقارنة ما كان يملكه المسؤول قبل توليه المنصب بما أصبح يملكه أثناء ممارسة المسؤولية وبعدها، ومقارنة ذلك بمداخيله المشروعة.
ولهذا ظلت مسألة الإثراء غير المشروع حاضرة بقوة في النقاش المؤسساتي والحقوقي حول مكافحة الفساد. السؤال ليس افتراض أن كل مسؤول ازداد غنى فهو فاسد، فالناس يمكن أن تكون لهم استثمارات وإرث ومداخيل مشروعة. السؤال هو أن توجد آلية قانونية فعالة عندما يظهر تضخم كبير وغير مفسر في الثروة، مع احترام كامل لقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة. لأن عبارة «من أين لك هذا؟» لا ينبغي أن تكون شتيمة سياسية؛ يجب أن تكون، عندما تتوافر الشروط القانونية، سؤالاً مؤسسياً يمكن للدولة أن تحقق فيه وتحسمه بالأدلة.
الانتخابات المقبلة: هل نعيد الدورة نفسها؟
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود أيضاً الخوف القديم من المال الانتخابي وشراء الأصوات واستغلال الهشاشة الاجتماعية. لا يجوز اتهام الأحزاب أو المرشحين جميعاً بهذه الممارسات، فهناك آلاف المنتخبين والمناضلين والمواطنين الذين يمارسون السياسة بنزاهة. لكن وجود حالات لشراء الأصوات أو استعمال المال أو المنافع الشخصية في الانتخابات يمثل واحداً من أخطر أشكال الفساد، لأن الفساد هنا يحدث قبل أن يصل الشخص إلى المسؤولية.
إذا دفع مرشح المال ليشتري الطريق إلى المنصب، فإن المنصب يتحول من خدمة عامة إلى استثمار. وحين يصبح المقعد استثماراً، يظهر السؤال: كيف سيسترجع صاحبه ما أنفقه؟ ولذلك فإن مكافحة فساد الصفقات والإدارة بعد الانتخابات تبدأ في الحقيقة قبل يوم الاقتراع، من خلال مراقبة تمويل الحملات، وتتبع الإنفاق، والتحقيق الجدي والسريع في شراء الأصوات، ومعاقبة من تثبت مخالفته، وتوعية المواطن بأن مبلغاً صغيراً يأخذه ليلة الانتخابات يمكن أن يكلفه خمس سنوات من سوء الخدمات.
لماذا لا تكفي التقارير وحدها لإعادة بناء الثقة؟
يمكن للمجلس الأعلى للحسابات أن يصدر أفضل تقرير في العالم، وللهيئة الوطنية للنزاهة أن تقدم أقوى التوصيات، وللبرلمان أن يناقش عشرات الساعات، لكن المواطن في النهاية يسأل سؤالاً بسيطاً: ماذا تغير؟ عندما يكشف تقرير اختلالاً، يريد معرفة ماذا فعل المسؤول بعد ذلك. هل أصلحه؟ هل أعاد المال؟ هل عوقب إدارياً؟ هل استقال؟ هل أُحيل إلى القضاء؟ وإذا أحيل، هل بُرئ أم أُدين؟
هذه المعلومات هي التي تحول الرقابة إلى ثقة. ويمكن للمغرب أن يحقق قفزة كبيرة في هذا المجال بإنشاء نظام أكثر وضوحاً لتتبع مآلات الملاحظات الرقابية والملفات المحالة، مع الحفاظ على سرية البحث وقرينة البراءة. المواطن ليس بحاجة إلى أسرار التحقيق؛ يحتاج بعد انتهاء المساطر إلى أن يعرف النتيجة. التقرير الذي لا نعرف مصير توصياته يصبح في الذاكرة الشعبية قصة، أما التقرير الذي نرى بعده تصحيحاً واسترجاعاً للأموال وحكماً أو تبرئة واضحة فيصبح مؤسسة.
متى إذن سيبدأ المغرب فعلاً في تطبيق ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
في الحقيقة، المغرب لا يبدأ من الصفر. توجد محاسبة جزئية وتوجد مؤسسات وملفات وتحقيقات وأحكام واسترجاع لأموال وإصلاحات. لذلك الجواب الدقيق ليس أن المبدأ «غير مطبق إطلاقاً». لكن المغرب لم يصل بعد إلى المرحلة التي يشعر فيها المواطن بأن المحاسبة تعمل بصورة تلقائية وسريعة وشفافة ومتساوية بما يكفي لأن تصبح رادعاً دائماً.
سنستطيع القول إن التحول وقع فعلاً يوم يصبح المسؤول مقتنعاً قبل ارتكاب المخالفة بأن النظام سيكتشفها، وأن ممتلكاته قابلة للتدقيق، وأن الصفقة قابلة للتتبع، وأن الصحفي يستطيع طرح السؤال، وأن هيئة الرقابة ستصل إلى الوثيقة، وأن النيابة ستتحرك عندما توجد قرائن جدية، وأن المحكمة ستبت في أجل معقول، وأن الحكم سينفذ، وأن المال سيسترجع، وأن الانتماء الحزبي أو النفوذ أو المنصب لن يغير قواعد اللعبة.
عندها فقط تتحول عبارة «ربط المسؤولية بالمحاسبة» من جملة جميلة في الدستور إلى ثقافة دولة.
الخلاصة: الخطر الأكبر ليس أن يحتج المواطن… بل أن يفقد الأمل في أن يتغير شيء
المواطن الذي يحتج لا يزال، بطريقة ما، مؤمناً بأن صوته يمكن أن يغير شيئاً. والصحفي الذي يحقق لا يزال يعتقد أن الحقيقة مهمة. والشاب الذي يطالب بمستشفى ومدرسة وشغل وعدالة لا يطلب المستحيل، بل يطلب الوظائف الأساسية لأي دولة حديثة. الخطر الأكبر يبدأ عندما يقرر الناس أن الكلام لا فائدة منه، والتصويت لا فائدة منه، والتقرير لا فائدة منه، والشكوى لا فائدة منها، وأن الطريق الوحيد نحو حياة أفضل يمر عبر البحر.
ربما لهذا كانت صور الشباب عند سبتة أكثر من مجرد صور لهجرة غير نظامية. كانت في أحد وجوهها سؤالاً سياسياً واجتماعياً موجهاً إلى الجميع: ماذا يجب أن نقدم لهذا الشاب حتى يختار مستقبله داخل وطنه بدلاً من أن يخاطر بحياته للخروج منه؟
والجواب لن يكون بخطاب جديد عن الوطنية، لأن أغلب هؤلاء الشباب لا يحتاجون إلى درس في حب المغرب. كثير منهم يحبونه ويغضب من أجله تحديداً. الجواب هو أن يرى المواطن وطناً يكافئ الكفاءة، ويحمي المال العام، ويحاسب المسؤول، ويسمح بالنقد، ويحفظ كرامة المريض، ويمنح الطفل مدرسة جيدة، ويفتح أمام الشاب باب العمل والأمل.
ولهذا يبقى العنوان مفتوحاً:
متى سيبدأ المغرب فعلاً في تطبيق «ربط المسؤولية بالمحاسبة»؟
سيبدأ بصورة مكتملة عندما لا يعود السؤال هو: «من يستطيع الإفلات؟»، بل يصبح السؤال لدى كل مسؤول قبل اتخاذ أي قرار: كيف سأبرر هذا القرار غداً أمام القانون وأمام المؤسسات وأمام المواطن؟
وفي ذلك اليوم، لن يحتاج المغاربة إلى سماع عبارة «ربط المسؤولية بالمحاسبة» كثيراً.
لأنهم سيرونها.

