من الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” إلى تغيير جذري في الموقف
يشكل التحول الذي طرأ على موقف كولومبيا من قضية الصحراء تطوراً سياسياً ودبلوماسياً لافتاً، بالنظر إلى المسار الذي اتبعته بوغوتا خلال السنوات الأخيرة. ففي أغسطس 2022، وبعد وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة، أعادت كولومبيا العلاقات الدبلوماسية مع ما يسمى بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، منهية بذلك مرحلة سابقة اتسمت بموقف مختلف تجاه النزاع. ولم يكن قرار بيترو منفصلاً عن التوجه العام لسياسته الخارجية، إذ سعى الرئيس الكولومبي السابق إلى إعادة صياغة علاقات بلاده الدولية انطلاقاً من مرجعيته السياسية اليسارية ومن تقاليد راسخة لدى جزء من اليسار في أمريكا اللاتينية، الذي ظل ينظر إلى قضية الصحراء أساساً من زاوية تقرير المصير وحركات التحرر. لذلك كان التقارب مع البوليساريو، إلى حد بعيد، امتداداً لاختيارات سياسية وأيديولوجية أوسع تبنتها إدارة بيترو، أكثر منه نتيجة لتحول جوهري في المصالح الاستراتيجية التقليدية لكولومبيا.
لماذا كان البوليساريو يجد أرضية سياسية مواتية في أمريكا اللاتينية؟
لفهم أهمية التحول الكولومبي الحالي، ينبغي العودة إلى خصوصية أمريكا اللاتينية في الحسابات الدبلوماسية للبوليساريو. فمنذ عقود، استفادت الجبهة من إرث سياسي وفكري ارتبط بحركات التحرر والثورات اليسارية ومناهضة الاستعمار التي طبعت تاريخ القارة خلال القرن العشرين. وقد ساهمت العلاقات التاريخية التي أقامتها الجزائر مع كوبا وعدد من الحكومات والتيارات اليسارية في المنطقة في توفير أرضية سياسية مواتية للطرح الانفصالي. وفي دول عديدة، لم يكن الموقف من قضية الصحراء مرتبطاً دائماً بحسابات اقتصادية أو استراتيجية مباشرة بقدر ما كان متأثراً بالانتماءات السياسية والأيديولوجية للحكومات المتعاقبة، وهو ما يفسر أيضاً لماذا شهدت مواقف بعض دول أمريكا اللاتينية تغيرات متكررة كلما تغيرت الأغلبية السياسية الحاكمة. وفي الحالة الكولومبية، كان وصول بيترو إلى الرئاسة عاملاً حاسماً في إعادة العلاقات مع الكيان الصحراوي، كما أن انتهاء مرحلته السياسية فتح الباب أمام مراجعة هذا التوجه وإعادة النظر في علاقة بوغوتا بالمغرب.
التحول الجديد: من منطق أيديولوجي إلى قراءة أكثر براغماتية للمصالح
الموقف الجديد لكولومبيا يمكن قراءته باعتباره تعبيراً عن تحول أوسع في فلسفة السياسة الخارجية للبلاد. فبدلاً من التعامل مع قضية الصحراء حصراً من خلال المرجعيات السياسية التي حكمت مرحلة بيترو، اختارت الإدارة الجديدة إعطاء الأولوية لإعادة بناء العلاقة مع المغرب على أسس طويلة الأمد، مرتبطة بالمصالح الثنائية وبفرص التعاون السياسي والاقتصادي والاستراتيجي. وهذه النقطة أساسية، لأن المملكة المغربية بالنسبة إلى عدد متزايد من الدول لم تعد مجرد طرف في نزاع إقليمي، بل أصبحت شريكاً اقتصادياً وأمنياً وسياسياً يمتلك موقعاً استراتيجياً عند تقاطع أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم إعادة تقييم بوغوتا لموقفها باعتبارها جزءاً من توجه يسعى إلى إقامة علاقات أكثر براغماتية مع دولة تملك حضوراً متزايداً في إفريقيا وشبكة واسعة من الشراكات الدولية، مع ضرورة التأكيد على أن الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية تظل عناصر تفسير وتحليل ما لم تقدمها السلطات الكولومبية صراحة باعتبارها الأسباب المباشرة للقرار.
المغرب يحصد ثمار دبلوماسية طويلة النفس
بالنسبة إلى الرباط، لا يمكن فصل التطور الكولومبي عن الاستراتيجية الدبلوماسية التي اعتمدها المغرب خلال السنوات الأخيرة في الدفاع عن وحدته الترابية. فقد انتقلت المملكة تدريجياً من سياسة تقوم أساساً على الدفاع عن موقفها داخل المؤسسات الدولية إلى استراتيجية أكثر شمولاً تربط ملف الصحراء بمستوى ونوعية الشراكات التي تقيمها مع مختلف دول العالم. وأصبح الموقف من قضية الصحراء معياراً مهماً في تقييم المغرب لعلاقاته الدولية، بالتوازي مع تقديم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل السياسي الواقعي والقابل للتطبيق لإنهاء النزاع. وقد أسفر هذا العمل الدبلوماسي عن تطورات مهمة، أبرزها اعتراف الولايات المتحدة سنة 2020 بالسيادة المغربية على الصحراء، وافتتاح عدد من الدول قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، فضلاً عن تطور مواقف دول أخرى باتجاه دعم مبادرة الحكم الذاتي أو اعتبارها أساساً جدياً وذا مصداقية للتوصل إلى تسوية سياسية.
لماذا أصبح المغرب شريكاً أكثر جاذبية بالنسبة إلى دول بعيدة جغرافياً مثل كولومبيا؟
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند محاولة فهم الجانب الاستراتيجي من التحول الكولومبي. فالمغرب نجح خلال العقود الأخيرة في بناء نموذج يجعل منه منصة اقتصادية ولوجستية تربط بين أوروبا وإفريقيا والمجال الأطلسي، مستفيداً من البنيات التحتية المينائية والصناعات الجديدة، ولا سيما صناعة السيارات والطيران، فضلاً عن موقعه العالمي في قطاع الفوسفات والأسمدة وحضور شركاته ومؤسساته الاقتصادية في عدد من الدول الإفريقية. وبالنسبة إلى دولة مثل كولومبيا، التي تبحث بدورها عن تنويع شراكاتها والأسواق التي تتعامل معها، يمكن للعلاقة مع المغرب أن توفر إمكانات تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، لتشمل الولوج إلى فضاءات اقتصادية إفريقية ومتوسطية جديدة. كما يمكن للقطاع الزراعي الكولومبي أن يجد مجالات تعاون مهمة مع المغرب في مجال الأسمدة والأمن الغذائي. ولا يعني ذلك أن هذه الاعتبارات هي بالضرورة السبب الرسمي وراء الموقف الجديد، لكنها توضح لماذا يمكن أن تكون العلاقة مع الرباط أكثر جاذبية من منظور المصالح الاقتصادية والاستراتيجية طويلة المدى.
البعد الأمريكي وإعادة ترتيب الموقع الجيوسياسي لبوغوتا
يضاف إلى ذلك البعد المتعلق بالولايات المتحدة، التي تعد شريكاً محورياً لكولومبيا في القارة الأمريكية، وفي الوقت نفسه حليفاً استراتيجياً للمغرب. فمنذ ديسمبر 2020، تعترف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء، كما تجمعها بالرباط علاقات وثيقة تشمل المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية. ومن ثم فإن التحول الكولومبي الجديد يجعل موقف بوغوتا أكثر انسجاماً مع الموقف الأمريكي من هذا الملف مقارنة بما كان عليه خلال مرحلة بيترو. ولا توجد معطيات علنية تسمح بالقول إن الولايات المتحدة فرضت أو دفعت مباشرة نحو القرار الكولومبي، وبالتالي لا ينبغي تقديم مثل هذا الاستنتاج باعتباره حقيقة ثابتة، غير أن التقارب الموضوعي بين المواقف يظل عنصراً جيوسياسياً مهماً، خصوصاً في ظل إعادة ترتيب كولومبيا لعلاقاتها الخارجية بعد انتهاء مرحلة اتسمت في بعض الملفات بمسافة سياسية أكبر عن واشنطن.
لماذا يمثل التحول الكولومبي ضربة رمزية مهمة للبوليساريو؟
تكمن إحدى أهم دلالات التطور الجديد في أن التحول حدث في أمريكا اللاتينية تحديداً، وهي منطقة ظلت لسنوات طويلة تشكل إحدى أهم ساحات التحرك الخارجي للبوليساريو. فقد استفادت الجبهة تاريخياً من علاقاتها مع حكومات وأحزاب يسارية ومن الدعم الجزائري لتحافظ على حضور سياسي داخل عدد من دول القارة. ولذلك فإن انتقال دولة بحجم كولومبيا من إعادة العلاقات مع “الجمهورية الصحراوية” في عهد بيترو إلى اتخاذ موقف مناقض بعد تغير السلطة يحمل دلالة تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين الرباط وبوغوتا. فالرسالة الأساسية هنا هي أن المواقع التي كان البوليساريو يعتبرها تقليدياً جزءاً من رصيده الدبلوماسي لم تعد بالضرورة ثابتة، وأن المغرب أصبح قادراً على المنافسة داخل فضاءات جغرافية وسياسية كانت في السابق أكثر ميلاً إلى الطرح الانفصالي.
كولومبيا نموذج لمعركة دبلوماسية أوسع تخوضها الرباط في أمريكا اللاتينية
تكمن قوة الاستراتيجية المغربية أيضاً في أنها لا تتعامل مع أمريكا اللاتينية باعتبارها منطقة بعيدة أو هامشية، بل كساحة دبلوماسية ينبغي الاستثمار فيها على المدى الطويل. فالرباط تدرك أن التوازن حول قضية الصحراء لا يتحدد فقط في أوروبا أو واشنطن أو داخل المؤسسات الإفريقية، وإنما أيضاً من خلال مواقف الدول في مختلف القارات. ولهذا فإن أي تحول داخل دولة ذات وزن سياسي وديمغرافي واقتصادي مثل كولومبيا يكتسب قيمة مضاعفة، لأنه يمكن أن يؤثر في النقاش السياسي داخل دول أخرى في المنطقة، أو على الأقل أن يقدم نموذجاً يؤكد أن إعادة تقييم العلاقات مع المغرب أصبحت خياراً ممكناً حتى بالنسبة إلى دول كانت لها في مراحل سابقة علاقات وثيقة مع الجانب الصحراوي. ومن هذه الزاوية، يصبح النجاح المغربي في بوغوتا جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تقليص المساحات الدبلوماسية التي اعتمد عليها البوليساريو تاريخياً وتعزيز حضور الطرح المغربي داخل أمريكا اللاتينية.
من الدبلوماسية الأيديولوجية إلى دبلوماسية المصالح
المقارنة بين مرحلتي غوستافو بيترو والإدارة الكولومبية الجديدة تسمح في النهاية بفهم طبيعة التحول الذي حدث. ففي عهد بيترو، كان الموقف من الصحراء منسجماً إلى حد بعيد مع رؤية سياسية يسارية تعطي أهمية كبيرة لخطاب تقرير المصير والإرث التاريخي لحركات التحرر في العالم الثالث. أما التوجه الجديد فيعيد العلاقة مع المغرب إلى منطق مختلف يقوم على بناء شراكة طويلة الأمد وعلى تقييم ما يمكن أن تقدمه هذه العلاقة للمصالح الكولومبية. وهنا تظهر إحدى نقاط القوة التي اشتغلت عليها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة: جعل العلاقة مع المملكة تتجاوز ملف الصحراء نفسه، من خلال بناء مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية تجعل الشراكة مع المغرب ذات قيمة ملموسة بالنسبة إلى الطرف الآخر. وكلما توسعت هذه المصالح، أصبح الموقف المغربي أكثر حضوراً في الحسابات الاستراتيجية للشركاء الدوليين.
نجاح للرباط ورسالة تتجاوز حدود كولومبيا
لا يعني التطور الكولومبي أن النزاع حول الصحراء قد انتهى، إذ لا يزال الملف مطروحاً على المستوى الدولي وتواصل الأمم المتحدة جهودها من أجل التوصل إلى حل سياسي، فيما يتمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته باعتبارها الحل الواقعي للنزاع، بينما تواصل جبهة البوليساريو الدفاع عن طرح تقرير المصير الذي يتضمن خيار الاستقلال. غير أن استمرار النزاع لا يقلل من القيمة السياسية للتحول الذي شهدته بوغوتا بالنسبة إلى المغرب. ففي غضون أربع سنوات فقط، انتقلت كولومبيا من إعادة العلاقات مع الكيان الصحراوي في عهد بيترو إلى موقف جديد يعيد ترتيب العلاقة مع الرباط على أسس مختلفة تماماً. وإذا كان لهذا التحول من رسالة أوسع، فهي أن موازين القوة الدبلوماسية حول قضية الصحراء ليست ثابتة، وأن المغرب بات يمتلك القدرة على نقل معركته الدبلوماسية إلى مناطق كانت تاريخياً أكثر صعوبة بالنسبة إليه.
ومن هذه الزاوية، فإن التحول الكولومبي لا يمثل مجرد مكسب دبلوماسي جديد يضاف إلى رصيد الرباط، بل يقدم مؤشراً على نجاح استراتيجية مغربية تقوم على النفس الطويل، وبناء المصالح، وتنويع الشراكات، وتحويل قضية الصحراء من ملف تدافع فيه المملكة عن موقفها إلى قضية أصبح موقف الشركاء منها جزءاً أساسياً من هندسة علاقاتهم الاستراتيجية مع المغرب.

