AccueilÉmissionsArabeبعد سبتة ومليلية…...

بعد سبتة ومليلية… هل دخل المغرب مرحلة غضب اجتماعي جديد؟- بقلم إسحاق هموش

تحليل — لم تعد أحداث سبتة مجرد أزمة حدودية عابرة انتهت بعودة أعداد كبيرة من المغاربة إلى بلادهم. فبعد موجة العبور غير المسبوقة، انتقل التوتر إلى محيط مليلية والناظور وبني أنصار، فيما استمرت الدعوات إلى محاولات جديدة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وبين المقاربة الأمنية والاحتقان الاجتماعي، تطرح الأحداث سؤالاً أكبر من ملف الهجرة غير النظامية: ماذا يعني أن يكون هذا العدد من الشباب مستعداً للمخاطرة للوصول إلى الضفة الأخرى؟ وهل يحتاج المغرب، إلى جانب حماية حدوده وتطبيق القانون، إلى فتح مرحلة جديدة من الإنصات الاجتماعي للشباب قبل أن يتحول الإحباط إلى أزمة أوسع؟

سبتة لم تكن مجرد حادثة حدودية

لم تعد أحداث سبتة مجرد أزمة حدودية انتهت بعودة أعداد كبيرة إلى المغرب. خلال أيام قليلة، تحولت صور الشباب وهم يعبرون نحو المدينة، ثم مشاهد عودتهم، وما أعقب ذلك من توترات في محيط الناظور وبني أنصار، إلى مؤشرات تستحق قراءة تتجاوز مسألة الهجرة غير النظامية وحدها. فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط كيف تمكن هذا العدد الكبير من الوصول إلى الحدود، وإنما لماذا كان هذا العدد من الأشخاص مستعداً للمخاطرة للوصول إلى سبتة أو مليلية، ولماذا استمرت بعد ذلك الدعوات إلى محاولات جديدة رغم التدخلات الأمنية والتوقيفات والمتابعات القضائية.

الأرقام المتداولة بشأن الأزمة تكشف حجم الصدمة التي عاشتها المنطقة. فقد دخل إلى سبتة عشرات الآلاف من الأشخاص خلال فترة زمنية قصيرة، قبل أن يعود عدد كبير منهم إلى المغرب، فيما واصلت السلطات الإسبانية والمغربية التعامل مع الآثار الأمنية والإنسانية للأحداث. وبغض النظر عن الاختلاف بين بعض التقديرات بشأن العدد الإجمالي، فإن حجم الحركة البشرية التي شهدتها الحدود كان استثنائياً بما يكفي ليفرض أسئلة تتجاوز مسألة مراقبة الحدود.

من سبتة إلى الناظور ومليلية… الأزمة لم تنته عند الحدود الأولى

ما حدث بعد ذلك في محيط بني أنصار والناظور أعطى الأزمة بعداً إضافياً. ظهرت محاولات جديدة في اتجاه مليلية، ووقعت مواجهات مع قوات الأمن، وبدأت متابعات قضائية بحق عشرات الأشخاص على خلفية الأحداث ومحاولات العبور. وهذا التطور مهم لأنه يشير إلى أن انتهاء موجة سبتة لم يكن بالضرورة نهاية الرغبة في المغادرة لدى جزء من المشاركين.

الشائعات ومواقع التواصل الاجتماعي لعبت بلا شك دوراً أساسياً في التعبئة. رسائل ومقاطع فيديو ومنشورات يمكن أن تنتشر خلال ساعات وتدفع أعداداً كبيرة إلى الاعتقاد بأن فرصة استثنائية للعبور قد فتحت أمامهم. لكن الشائعة، مهما بلغت قوتها، لا تفسر وحدها لماذا يكون آلاف الأشخاص مستعدين للاستجابة لها والتحرك فعلياً نحو الحدود.

وهنا يبدأ السؤال الاجتماعي الحقيقي. فالشائعة قد تكون الشرارة، لكنها لا تخلق وحدها الرغبة في الرحيل. عندما يكون عدد كبير من الشباب مستعداً للتحرك خلال ساعات باتجاه حدود بلد آخر، فإن ذلك يعني أن هناك قابلية سابقة لهذا القرار، وأن جزءاً من المجتمع يرى في الهجرة، حتى عندما تكون محفوفة بالمخاطر، احتمالاً يستحق المحاولة.

وراء الهجرة سؤال أكبر: لماذا يريد هؤلاء الشباب الرحيل؟

لا يمكن اختزال دوافع عشرات الآلاف من الأشخاص في سبب واحد. فداخل هذه المجموعات توجد أوضاع اجتماعية وشخصية مختلفة، وقد يكون من الخطأ تقديم جميع المشاركين باعتبارهم كتلة واحدة. لكن مجموعة من العوامل المعروفة تظل حاضرة في خلفية الظاهرة: البطالة، صعوبة الولوج إلى فرص اقتصادية مستقرة، الفوارق الاجتماعية والمجالية، الشعور بانسداد إمكانات الصعود الاجتماعي، وعدم اقتناع جزء من الشباب بأن مستقبله سيكون أفضل بالسرعة التي ينتظرها.

المشكلة هنا ليست في القول إن المغرب يعيش بالضرورة أزمة اجتماعية شاملة، لأن الوقائع الحالية لا تسمح بمثل هذا الاستنتاج القطعي. المشكلة هي أن ما وقع كشف بصورة شديدة الوضوح وجود فئة من الشباب ترى أن المخاطرة عند الحدود قد تكون أفضل من انتظار فرصة داخل البلاد.

وهذه في حد ذاتها رسالة سياسية واجتماعية تستحق أن تُقرأ بجدية. فالهجرة غير النظامية ليست دائماً مجرد رغبة في الانتقال الجغرافي من بلد إلى آخر؛ يمكن أن تكون أيضاً تعبيراً عن علاقة الفرد بمستقبله، وعن مقدار الأمل الذي يضعه في إمكانية تحسين حياته داخل مجتمعه.

الخطر الأول: تحويل أزمة اجتماعية إلى أزمة أمنية فقط

من الطبيعي أن تتدخل الدولة عندما تكون هناك محاولات اقتحام للحدود أو اعتداءات على قوات الأمن أو أعمال عنف أو تخريب. حماية الحدود وتطبيق القانون من وظائف الدولة الأساسية، ولا يمكن لأي تحليل جدي أن يتجاهل ذلك. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح المقاربة الأمنية هي الجواب الوحيد على ظاهرة تحمل أيضاً أبعاداً اجتماعية واقتصادية ونفسية.

إبعاد الأشخاص عن الحدود أو توقيف من يرتكب أعمال عنف يمكن أن ينهي مواجهة في مكان معين وفي لحظة معينة، لكنه لا يجيب عن السؤال الذي دفع هؤلاء الأشخاص إلى الوصول إلى الحدود أصلاً. وإذا بقي السبب قائماً، يمكن أن تتكرر الظاهرة في مكان آخر أو في توقيت آخر، خصوصاً في زمن تستطيع فيه شبكات التواصل الاجتماعي تحويل إشاعة أو مقطع فيديو إلى حركة جماعية خلال ساعات.

التحدي الحقيقي إذن هو الجمع بين ضرورة احترام القانون وبين القدرة على فهم الأسباب التي جعلت عدداً كبيراً من المواطنين، وخصوصاً الشباب، ينظرون إلى عبور الحدود باعتباره فرصة تستحق المخاطرة.

الخطر الثاني: أن يتحول الإحباط من الهجرة إلى احتجاج اجتماعي

لا توجد في المرحلة الحالية عناصر كافية تسمح بالقول إن المغرب يتجه حتماً نحو موجة احتجاج وطنية واسعة. مثل هذا الاستنتاج سيكون سابقاً لأوانه. لكن من الناحية الاجتماعية، توجد علاقة محتملة بين الإحباط الذي يدفع شخصاً إلى التفكير في الهجرة وبين الإحباط الذي يمكن أن يدفعه إلى الاحتجاج والمطالبة بالشغل أو بالخدمات أو بتحسين ظروف العيش.

الهجرة والاحتجاج الاجتماعي ظاهرتان مختلفتان، لكنهما قد تنطلقان في بعض الحالات من المصدر نفسه: الشعور بانعدام الأفق. فالشاب الذي يرى مستقبله خارج البلاد بسبب غياب الفرص قد يكون هو نفسه الذي يطالب في الداخل بسياسات تشغيل أفضل أو بعدالة اجتماعية أكبر أو بخدمات عمومية أكثر فعالية.

لذلك، فإن قراءة محاولات العبور باعتبارها مجرد مخالفة لقوانين الحدود قد تؤدي إلى إغفال جزء مهم من الرسالة. الأمن يستطيع التعامل مع النتيجة المباشرة، لكن السياسة الاجتماعية هي التي يفترض أن تتعامل مع الأسباب التي تجعل الرحيل جذاباً إلى هذه الدرجة.

الخطر الثالث: شبكات التواصل أصبحت أسرع من المؤسسات

أظهرت أحداث سبتة ومليلية قوة جديدة يصعب تجاهلها: قدرة شبكات التواصل الاجتماعي على تحريك أعداد كبيرة من الأشخاص بسرعة استثنائية. مجموعات على واتساب وفيسبوك ومنصات أخرى يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى فضاءات لنشر المعلومات والشائعات ومواعيد التحرك والتعليمات والتوقعات.

المشكلة أن المواطن، عندما لا يجد معلومة رسمية واضحة وسريعة، قد يعتمد على ما يصله عبر هاتفه حتى عندما لا يعرف مصدره. وهنا يتحول الفراغ المعلوماتي إلى جزء من الأزمة. فإذا تأخرت المؤسسات في التواصل، تصبح الشائعة أسرع من البيان الرسمي، وقد تتحول معلومة غير صحيحة إلى واقع ميداني لمجرد أن عدداً كافياً من الأشخاص صدقها وتصرف على أساسها.

لذلك، لا يمكن أن يكون الرد على مثل هذه الأزمات أمنياً فقط. هناك حاجة أيضاً إلى إدارة معلوماتية حديثة: التواصل بسرعة، تقديم أرقام واضحة، تفسير القرارات، مواجهة الأخبار الكاذبة، وتمكين الصحافة من الوصول إلى المعلومات الموثوقة. فالفراغ المعلوماتي هو البيئة الأكثر ملاءمة لنمو الشائعات.

لكن أخطر سيناريو هو غياب الإنصات

الإنصات لا يعني قبول كل المطالب، كما لا يعني التساهل مع أعمال العنف أو خرق القانون. المقصود هو أن تحاول المؤسسات فهم ما تقوله هذه الظاهرة عن جزء من المجتمع المغربي. عندما يكون آلاف الأشخاص مستعدين للتحرك جماعياً نحو حدود سبتة أو مليلية، فإن القضية لا تبقى مجرد ملف للهجرة غير النظامية.

هناك حاجة إلى معرفة من هم هؤلاء الأشخاص فعلاً. ما أعمارهم؟ ما أوضاعهم الاجتماعية؟ كم منهم عاطل عن العمل؟ كم منهم يدرس؟ ما المناطق التي قدموا منها؟ كيف وصلتهم الدعوات؟ لماذا صدقوها؟ وما الذي يتوقعون العثور عليه في أوروبا ولا يعتقدون أنهم يستطيعون الحصول عليه في المغرب؟

الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون أهم على المدى الطويل من معرفة عدد الأشخاص الذين تم توقيفهم عند الحدود. لأنها تسمح بفهم الأسباب وليس فقط النتائج.

بين حماية الدولة وحق المجتمع في أن يُسمع

المغرب أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، هناك مسؤولية الدولة في حماية الحدود ومنع الفوضى والتصدي للعنف واحترام التزاماتها الأمنية. ومن جهة أخرى، هناك مسؤولية اجتماعية وسياسية في فهم أسباب الإحباط لدى جزء من المواطنين والاستجابة لها بوسائل تتجاوز التدخل الأمني.

ولا يوجد تناقض بالضرورة بين الأمرين. يمكن للدولة أن تكون حازمة في تطبيق القانون وفي الوقت نفسه أكثر انفتاحاً على الحوار. ويمكنها حماية الحدود وفي الوقت نفسه أن تسأل لماذا يريد بعض مواطنيها عبورها بهذه الطريقة. ويمكنها مواجهة الشائعات وفي الوقت نفسه أن تعترف بأن الشائعة لا تجد جمهوراً واسعاً إلا عندما تلامس رغبة أو إحباطاً موجوداً أصلاً.

الحوار هنا لا يعني بالضرورة مفاوضات سياسية كبرى. يمكن أن يبدأ بالإنصات إلى الشباب في المدن والمناطق التي خرج منها أكبر عدد من المشاركين، وبإشراك المنتخبين والجمعيات والمجتمع المدني والباحثين والخبراء الاجتماعيين، وبإجراء دراسات حقيقية حول دوافع هذه الموجة بدل الاكتفاء بتفسيرها من زاوية أمنية.

المغرب لا يواجه فقط أزمة حدود… بل اختبار ثقة

النجاح الحقيقي بعد أحداث سبتة ومليلية لن يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين تم منعهم من العبور. سيقاس أيضاً بقدرة المؤسسات على منع تحول هذه الأحداث إلى شعور لدى فئة من الشباب بأن الرحيل هو الحل الوحيد المتاح أمامها.

وهذا يتطلب الأمن والقانون، لكنه يحتاج كذلك إلى سياسات تشغيل أكثر فعالية، وإلى تحسين فرص الشباب، وإلى حضور أقوى للدولة الاجتماعية في المناطق التي تشعر بالتهميش، وإلى خطاب مؤسساتي قادر على مخاطبة الشباب بلغتهم والاستماع إليهم بدل الاكتفاء بالحديث عنهم.

لا توجد اليوم معطيات كافية للقول إن المغرب متجه بالضرورة نحو انفجار اجتماعي شامل. استخدام مثل هذه العبارة سيكون تهويلاً لا تدعمه الوقائع الحالية. لكن توجد إشارات تستحق الانتباه إلى وجود توتر وإحباط لدى جزء من الشباب، وإلى قدرة شبكات التواصل على تحويل هذا الإحباط بسرعة إلى تحركات جماعية يصعب توقع حجمها أو اتجاهها.

السؤال بعد سبتة: هل يكفي منع محاولة العبور المقبلة؟

قد تستطيع الأجهزة الأمنية رفع مستوى الانتشار حول سبتة ومليلية ومنع محاولات جديدة، وهذا جزء من وظيفتها. لكن السؤال الأكثر أهمية على المدى البعيد ليس فقط ما إذا كان المغرب يستطيع منع محاولة العبور المقبلة، وإنما ما إذا كان يستطيع تقليص عدد الشباب الذين يرغبون أصلاً في القيام بها.

إذا كان الجواب على ما وقع أمنياً فقط، فقد تنتهي الأزمة عند سياج معين ثم تظهر لاحقاً بصورة مختلفة. أما إذا أصبحت أحداث سبتة ومليلية فرصة لفهم دوافع الشباب، والاستماع إلى إحباطاتهم، والتمييز بين من ارتكب أعمال عنف وبين آلاف المواطنين الذين تحمل تصرفاتهم رسالة اجتماعية تحتاج إلى قراءة، فقد تتحول الأزمة إلى إنذار مفيد بدل أن تصبح بداية سلسلة من الأزمات.

فالسؤال الحقيقي الذي تركته أحداث سبتة ومليلية ليس فقط: كيف نحمي الحدود؟ بل أيضاً: كيف يمكن إقناع الشباب بأن المستقبل الذي يبحثون عنه يمكن أن يكون داخل المغرب، وليس بالضرورة خلف سياج سبتة أو مليلية؟

Annonce publicitairespot_img

Catégories