AccueilÉmissionsArabeالسعودية تبني قوة...

السعودية تبني قوة الردع والإمارات تبني قوة النفوذ… من يقرأ الشرق الأوسط الجديد بصورة أفضل؟ – بقلم إسحاق هموش

تحليل — في السابع من أغسطس 2026، ظهرت في المنطقة معادلة استراتيجية جديدة تستحق التوقف عندها. السعودية وتركيا وباكستان وقعت اتفاقاً دفاعياً مشتركاً يقوم على مبدأ واضح: الاعتداء المسلح على دولة منها يُعتبر اعتداءً على الدول الثلاث. في الجهة الأخرى، تتحرك الإمارات منذ سنوات ضمن هندسة مختلفة تماماً، تربطها بالولايات المتحدة والهند وإسرائيل عبر إطار I2U2، وبشبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية واللوجستية الدولية. لا يتعلق الأمر حتى الآن بمحورين عسكريين متواجهين، ولا بصراع سعودي إماراتي معلن، بل بنموذجين مختلفين لفهم القوة في القرن الحادي والعشرين: الرياض تبحث عن تعزيز الردع العسكري وتنويع مظلتها الأمنية، بينما تبدو أبوظبي أكثر ميلاً إلى بناء نفوذ يقوم على التكنولوجيا ورأس المال والتجارة والموانئ والذكاء الاصطناعي والعلاقات المتعددة. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: أي الاستراتيجيتين يمكن أن تمنح دولة خليجية نفوذاً أكبر وأكثر استدامة في العالم الجديد؟

اتفاق مكة يغير جزءاً من المعادلة الأمنية

الاتفاق الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان ليس مجرد صورة دبلوماسية جديدة لثلاثة قادة. فالمبدأ الذي يتضمنه، والقائم على اعتبار الهجوم المسلح على أحد الأطراف هجوماً على الجميع، يمنحه بعداً دفاعياً واضحاً. كما أن هوية الدول الثلاث تمنحه وزناً استراتيجياً خاصاً: السعودية قوة مالية وطاقية كبرى، تركيا تمتلك واحداً من أهم الجيوش داخل حلف شمال الأطلسي وصناعة دفاعية تطورت بسرعة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وباكستان قوة عسكرية نووية ذات خبرة طويلة ومؤسسة عسكرية شديدة التأثير.

الجمع بين هذه العناصر يخلق نظرياً معادلة ردع مهمة. فالرياض لا تشتري فقط أسلحة إضافية، وإنما توسع شبكة الدول التي يمكن أن تعتمد عليها في حالة تعرض أمنها لتهديد كبير. وتركيا توسع مجالها الاستراتيجي نحو الخليج وجنوب آسيا، فيما تحصل باكستان على شراكة أعمق مع اثنتين من أهم القوى الاقتصادية والسياسية في العالم الإسلامي.

لكن من الخطأ الانتقال من هذه الوقائع إلى الحديث عن «ناتو إسلامي» مكتمل. تفاصيل تنفيذ الالتزامات الدفاعية لا تزال بحاجة إلى الاختبار، كما أن مصالح الدول الثلاث ليست متطابقة في جميع الملفات. الاتفاق مهم، لكن قوته الحقيقية ستُقاس بما ستفعله الدول الثلاث عندما تتعارض مصالحها، وليس فقط عندما تتطابق.

الإمارات اختارت منذ سنوات طريقاً مختلفاً

في المقابل، تبدو الاستراتيجية الإماراتية مبنية على تصور مختلف للقوة. أبوظبي لم تحاول أن تصبح القوة العسكرية الأكبر في المنطقة، وهو أمر يصعب أصلاً على دولة صغيرة من حيث عدد السكان والمساحة مقارنة بقوى مثل تركيا أو السعودية أو إيران. ما فعلته هو محاولة تحويل محدودية الحجم إلى سبب لبناء نوع آخر من القوة.

الإمارات بنت خلال سنوات شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية مع الولايات المتحدة، وطورت علاقة استراتيجية متنامية مع الهند، وأقامت علاقات رسمية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه حافظت على قنوات مفتوحة مع الصين وروسيا وقوى أخرى.

هذه القدرة على العمل مع أطراف تختلف فيما بينها ربما تكون واحدة من أهم خصائص السياسة الإماراتية. فبدلاً من وضع جميع أوراقها داخل محور واحد، تحاول أبوظبي أن تكون نقطة التقاء بين محاور متعددة.

I2U2 ليس حلفاً عسكرياً… وهنا تحديداً تكمن أهميته

من الضروري هنا تصحيح فكرة يمكن أن تنتشر بسهولة في قراءة التطورات الحالية. المجموعة التي تجمع الإمارات والهند وإسرائيل والولايات المتحدة، والمعروفة باسم I2U2، ليست حلفاً دفاعياً مشابهاً للاتفاق السعودي التركي الباكستاني.

طبيعتها مختلفة أساساً. فهي تركز على الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والأمن الغذائي والمياه والنقل والصحة ومشروعات البنية التحتية. ولذلك لا توجد مادة تقول إن الاعتداء على الإمارات مثلاً يعني تلقائياً دخول الهند أو الولايات المتحدة أو إسرائيل في حرب دفاعاً عنها.

لكن ما قد يبدو نقطة ضعف يمكن النظر إليه أيضاً باعتباره جزءاً من فلسفة مختلفة للقوة. فالإمارات تراهن على جعل نفسها مهمة اقتصادياً وتكنولوجياً ولوجستياً لعدد كبير من القوى، بحيث تصبح استقرارها ومصالحها جزءاً من مصالح الآخرين.

السعودية تبحث عن الردع… والإمارات عن الاعتماد المتبادل

هنا يظهر الاختلاف الأساسي بين النموذجين. الاتفاق السعودي التركي الباكستاني يقول للخصم المحتمل بصورة مبسطة: إذا هاجمت واحداً منا، ستواجه الآخرين.

أما النموذج الإماراتي فيقول شيئاً مختلفاً: إذا كنت قوة كبرى أو شركة عالمية أو اقتصاداً صاعداً، فمن المفيد أن تكون لديك مصالح داخل الإمارات وعبرها.

الأول يصنع الردع من خلال القدرة العسكرية والالتزام الدفاعي. والثاني يحاول صناعة الأمن والنفوذ من خلال الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي المتبادل.

ولا يعني ذلك أن الإمارات أهملت القوة العسكرية. فقد استثمرت بصورة كبيرة في قدراتها الدفاعية وعلاقاتها الأمنية. لكن صورتها الدولية خلال السنوات الأخيرة لم تعد تقوم أساساً على الجيش. أصبحت مرتبطة أكثر بدبي وأبوظبي كمركزين للأعمال والاستثمار والطيران والخدمات واللوجستيات، وبصعودها المتسارع في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي أصبح بالنسبة إلى أبوظبي مسألة سيادة

ربما تظهر الرؤية الإماراتية بأوضح صورها في الذكاء الاصطناعي. الإمارات لا تتعامل معه باعتباره قطاعاً تكنولوجياً إضافياً فقط، وإنما باعتباره أحد مكونات القوة الوطنية المستقبلية. فقد وضعت الدولة استراتيجية للذكاء الاصطناعي، وأطلقت سياسات ومواثيق رسمية لتنظيم تطويره واستخدامه، وأعلنت صراحة أن هدفها هو تعزيز موقعها كفاعل عالمي في هذا المجال وربط التكنولوجيا بتنويع الاقتصاد وجذب الاستثمار وتحسين الخدمات الحكومية.

هذه النقطة مهمة في المقارنة الاستراتيجية. ففي القرن الماضي، كانت القوة تقاس أساساً بحجم الجيش وعدد السكان والموارد الطبيعية. أما اليوم، فأصبحت هناك عناصر أخرى لا تقل أهمية: القدرة الحاسوبية، البيانات، الرقائق الإلكترونية، الذكاء الاصطناعي، الموانئ، شبكات النقل، التمويل والاستثمار.

والإمارات تحاول بناء موقع متقدم في أكبر عدد ممكن من هذه المجالات قبل أن تصبح المنافسة عليها أكثر صعوبة.

دولة صغيرة تحاول أن تتصرف كمنصة عالمية

هنا تحديداً يمكن فهم ما يجعل التجربة الإماراتية لافتة. فالدولة لا تملك عشرات الملايين من السكان ولا مساحة جغرافية هائلة، لكنها تحاول تعويض ذلك بتحويل نفسها إلى منصة.

من يريد الوصول إلى أسواق الخليج يجد دبي وأبوظبي. ومن يريد الاستثمار بين آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا يجد بنية لوجستية ومالية إماراتية. ومن يبحث عن رأس المال يجد صناديق سيادية ضخمة. ومن يعمل في الطيران يجد واحدة من أهم العقد الجوية العالمية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب المنافسة الدولية، تحاول الإمارات أن تضيف التكنولوجيا والحوسبة إلى هذه المنظومة.

القوة هنا لا تأتي من السيطرة على الآخرين، وإنما من جعل الآخرين يحتاجون إلى الخدمات والشبكات التي توفرها الدولة.

الهند ورقة استراتيجية شديدة الأهمية للإمارات

وجود الهند في الحسابات الإماراتية يستحق اهتماماً خاصاً. الهند ليست مجرد دولة كبيرة أخرى؛ إنها واحدة من أكبر الاقتصادات والأسواق السكانية في العالم، وقوة تكنولوجية ونووية وصاعدة تسعى إلى لعب دور أكبر في النظام الدولي.

بالنسبة إلى الإمارات، بناء علاقة عميقة مع الهند يربط الخليج مباشرة بمركز الثقل الآسيوي الجديد. كما أن العلاقة لا تقوم فقط على السياسة، بل على التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والجالية الهندية الكبيرة الموجودة في الإمارات.

وهنا يظهر اختلاف مثير للاهتمام مع الاتفاق السعودي الجديد. فباكستان توجد داخل المعادلة الدفاعية الجديدة للرياض، بينما الهند شريك مركزي للإمارات في معادلة اقتصادية وتكنولوجية.

لكن من الخطأ استنتاج أن ذلك يضع السعودية والإمارات تلقائياً على طرفي الصراع الهندي الباكستاني. دول الخليج أصبحت أكثر براعة في الفصل بين علاقاتها المختلفة، والسعودية نفسها تملك مصالح كبيرة مع الهند. الشبكات الجديدة ليست بالضرورة محاور مغلقة كما كانت التحالفات خلال الحرب الباردة.

وهنا ربما توجد عبقرية النموذج الجديد: لا تختَر محوراً واحداً إذا استطعت التعامل مع الجميع

لسنوات طويلة، كانت السياسة الخارجية في الشرق الأوسط تُقرأ بمنطق بسيط: مع من أنت وضد من؟ لكن الإمارات بنت جزءاً كبيراً من سياستها على محاولة تجاوز هذه الثنائية.

هي شريك استراتيجي للولايات المتحدة، لكنها تملك علاقات اقتصادية قوية مع الصين. لديها علاقات رسمية مع إسرائيل، لكنها تحتفظ بعلاقات واتصالات مع قوى عربية وإقليمية تختلف معها. تتعاون مع الهند، لكن ذلك لا يمنعها من الاحتفاظ بعلاقة مهمة مع باكستان. وتتعامل مع الغرب، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات مع روسيا.

هذا النوع من السياسة ليس بلا مخاطر. عندما تتصاعد المواجهة بين القوى الكبرى، يصبح الحفاظ على العلاقات مع الجميع أكثر صعوبة. لكن في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، يمكن أن تتحول المرونة نفسها إلى مصدر قوة.

هل يعني ذلك أن الاستراتيجية الإماراتية أفضل من السعودية؟

ليس بصورة مطلقة، لأن الدولتين تحاولان حل مشكلتين مختلفتين جزئياً. السعودية دولة ضخمة في قلب شبه الجزيرة العربية، تمتلك حدوداً طويلة وثروة نفطية استثنائية ومكانة دينية وسياسية تجعل أمنها مرتبطاً مباشرة بتوازن القوى في الشرق الأوسط. لذلك من الطبيعي أن يكون الردع العسكري جزءاً مركزياً من استراتيجيتها.

والاتفاق مع تركيا وباكستان قد يمنح الرياض ما تحتاج إليه في مرحلة أصبحت فيها الثقة في قدرة الولايات المتحدة أو استعدادها لتوفير المظلة الأمنية القديمة أقل بساطة مما كانت عليه خلال العقود الماضية.

لكن إذا كان السؤال يتعلق بنموذج القوة الأكثر قابلية للاستمرار على المدى الطويل، فإن التجربة الإماراتية تقدم حجة قوية: الدولة التي تمتلك التكنولوجيا ورأس المال والبنية التحتية والشبكات التجارية وعلاقات متينة مع أكبر عدد ممكن من القوى قد تحتاج بدرجة أقل إلى تحويل كل أزمة إلى مواجهة عسكرية.

لكن نجاح الإمارات لا يلغي الأسئلة الصعبة

التحليل الجدي لا يمكن أن يتحول إلى دعاية. فالتجربة الإماراتية، رغم نجاحاتها الاقتصادية والتكنولوجية والإدارية، تواجه أيضاً انتقادات دولية جدية، خصوصاً في ملفات حرية التعبير والفضاء المدني وأوضاع بعض العمال المهاجرين. ولذلك سيكون من غير الدقيق تقديم الإمارات باعتبارها نموذجاً عالمياً مكتمل الأركان في حقوق الإنسان.

لكن الاعتراف بهذه الانتقادات لا يلغي الإنجازات التي يمكن قياسها في مجالات أخرى. فالدولة نجحت في بناء بنية تحتية عالمية، وجذب رؤوس الأموال والكفاءات والشركات، وتحويل مدنها إلى مراكز دولية، كما وضعت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيتها الاقتصادية المستقبلية.

والقوة الحقيقية لأي نموذج ليست في الادعاء بأنه بلا عيوب، وإنما في قدرته على معرفة نقاط ضعفه والتكيف معها.

السعودية نفسها تتحول… ولذلك قد تكون المقارنة مؤقتة

من الخطأ أيضاً تصوير السعودية باعتبارها دولة تراهن فقط على السلاح. رؤية 2030 السعودية تقوم هي الأخرى على تنويع الاقتصاد والتكنولوجيا والسياحة والاستثمار والصناعات الجديدة، والرياض تنافس اليوم على جذب الشركات ورؤوس الأموال والمواهب.

لذلك، قد لا يكون المستقبل عبارة عن «نموذج سعودي» في مواجهة «نموذج إماراتي». ربما نكون أمام سباق بين دولتين خليجيتين تتجهان في النهاية نحو المزج بين النوعين من القوة، لكن من نقطتي انطلاق مختلفتين.

السعودية تضيف اليوم إلى تحولها الاقتصادي مظلة ردع أوسع مع تركيا وباكستان، بينما بنت الإمارات أولاً شبكة اقتصادية وتكنولوجية واسعة وحافظت في الوقت نفسه على شراكاتها الأمنية.

من سيربح؟ الدولة التي تستطيع الجمع بين القوة العسكرية وقوة الشبكات

ربما يكون هذا هو الاستنتاج الأهم. الاتفاق السعودي التركي الباكستاني ليس دليلاً على فشل الاستراتيجية الإماراتية، كما أن I2U2 ليس تحالفاً إماراتياً مضاداً للسعودية. نحن أمام محاولتين للتكيف مع نظام دولي يتغير بسرعة، ومع منطقة لم يعد فيها الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة ضمانة كافية للأمن.

السعودية تبحث عن استقلالية أكبر في الردع. تركيا تريد توسيع نفوذ صناعتها الدفاعية ومجالها الاستراتيجي. باكستان تحول قوتها العسكرية إلى رأسمال جيوسياسي. وفي المقابل، تراهن الإمارات على أن رأس المال والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والموانئ والتجارة والشراكات المتعددة تستطيع تحويل دولة صغيرة جغرافياً إلى لاعب يصعب تجاوزه.

وإذا كان هناك جانب يمنح الاستراتيجية الإماراتية أفضلية مثيرة للاهتمام، فهو أنها تحاول الاستعداد لنوع القوة الذي قد يصبح أكثر أهمية خلال العقود المقبلة، لا لنوع القوة الذي حكم القرن الماضي فقط.

فالعالم الجديد لن تحكمه الجيوش وحدها. سيحكمه أيضاً من يمتلك التكنولوجيا، ومن يمولها، ومن يسيطر على طرق التجارة والبيانات والحوسبة، ومن يستطيع أن يجعل القوى المتنافسة جميعها تجد مصلحة في التعامل معه.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو الإمارات، رغم صغر حجمها الجغرافي، وكأنها فهمت مبكراً قاعدة جديدة في السياسة الدولية: ليس ضرورياً أن تكون أكبر دولة لكي تصبح عقدة لا يستطيع الكبار تجاوزها.

Annonce publicitairespot_img

Catégories