Accueilبالعربيةالإسلام السياسي في...

الإسلام السياسي في أوروبا: من الدعوة إلى مشروع النفود – بقلم إسحاق هموش

قراءة في العلاقة بين الإسلاموية والديمقراطية الليبرالية

بين أطروحات أوليفييه روا وجيل كيبل… لماذا يختلف الباحثون؟

لا يمكن تناول الإسلام السياسي في أوروبا بجدية من دون التوقف عند النقاش الأكاديمي الذي شغل الجامعات الأوروبية طوال الثلاثين سنة الماضية. فمن اللافت أن الباحثين الذين يدرسون الظاهرة انطلقوا من الوقائع نفسها، لكنهم انتهوا إلى استنتاجات مختلفة، بل ومتعارضة أحياناً.

يعد أوليفييه روا من أبرز من دافعوا عن فكرة أن أوروبا لا تواجه “أسلمة الغرب” بقدر ما تواجه “أسلمة بعض مظاهر الراديكالية”. ويرى أن جيلاً من الشباب الأوروبي المسلم يعيش أزمة هوية وانفصالاً عن الثقافة الإسلامية التقليدية، وأن التطرف لا ينتج بالضرورة عن التدين، بل عن شعور بالقطيعة الاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق، يحذر روا من تفسير كل تعبير ديني بوصفه امتداداً لمشروع الإسلام السياسي.

في المقابل، يذهب جيل كيبل إلى أن بعض التيارات الإسلاموية طورت، عبر عقود، خطاباً يسعى إلى إعادة تشكيل المجال العام انطلاقاً من مرجعية دينية، وأن هذا الخطاب لا يمكن فصله عن التحولات السياسية التي شهدتها أوروبا. وهو يميز بين المسلمين كمواطنين، وبين التنظيمات التي تعمل وفق رؤية أيديولوجية تتجاوز مجرد الدفاع عن الحقوق الدينية.

أما الباحث الإيطالي لورينزو فيدينو، فقد ركز على دراسة الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، وخلص إلى أن بعض هذه الشبكات اعتمدت استراتيجية تقوم على بناء النفوذ عبر المؤسسات المدنية والتعليمية والخيرية، أكثر من التركيز على الوصول المباشر إلى السلطة السياسية. وفي المقابل، يرى باحثون آخرون أن هذا التفسير قد يبالغ في تصوير درجة التنسيق بين المؤسسات المختلفة، وأن الواقع أكثر تنوعاً وتعقيداً.

كما أثارت فلورانس بيرغو-بلاكير نقاشاً واسعاً من خلال دراساتها حول الإسلاموية في أوروبا، معتبرة أن بعض الحركات تسعى إلى ترسيخ حضور ثقافي واجتماعي طويل المدى. غير أن قراءاتها تعرضت أيضاً لنقد من باحثين رأوا أنها توسع مفهوم الإسلام السياسي إلى درجة قد تشمل فاعلين متباينين في المرجعيات والممارسات.

أما فرانسوا بورغا، فيتبنى مقاربة مختلفة، إذ يرى أن فهم الإسلام السياسي يقتضي ربطه بالسياقات التاريخية والسياسية في العالم العربي، وأن اختزاله في بعد أيديولوجي أو أمني يغفل عوامل الاستبداد والصراعات الإقليمية.

إن عرض هذه المدارس المختلفة ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة منهجية. فكل دراسة جادة ينبغي أن تميز بين الوقائع الموثقة وبين التأويلات، وأن تعترف بأن الظواهر الاجتماعية الكبرى لا تفسر بنظرية واحدة.

الديمقراطية الليبرالية… هل تملك حق الدفاع عن نفسها؟

بعد الحرب العالمية الثانية، تأسست الديمقراطيات الأوروبية على قناعة مفادها أن حماية الحرية هي أفضل وسيلة لحماية المجتمع. لكن العقود الأخيرة أفرزت سؤالاً فلسفياً جديداً: ماذا يحدث إذا استُخدمت الحريات الديمقراطية من قبل جماعات تحمل مشروعاً يرغب، على المدى البعيد، في إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة أو في تغيير بعض القيم الدستورية؟

هذا السؤال لا يخص الإسلام السياسي وحده، بل يشمل أيضاً الحركات اليمينية المتطرفة والجماعات الشمولية بمختلف مرجعياتها. ولذلك، فإن عدداً من الفقهاء الدستوريين يتحدثون عن مفهوم “الديمقراطية القادرة على الدفاع عن نفسها”، أي الديمقراطية التي تحمي حرية التنظيم والتعبير، لكنها تتدخل عندما تتحول هذه الحريات إلى وسيلة لتقويض النظام الدستوري أو للتحريض على العنف والكراهية.

في هذا السياق، لا يكفي الانتماء الديني أو الأيديولوجي للحكم على أي حركة، بل يصبح المعيار هو احترام القانون، وحقوق الإنسان، والمساواة بين المواطنين، ورفض العنف، والالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية.

هل أخطأت أوروبا؟

إذا كان من السهل توجيه النقد إلى بعض الحركات الإسلاموية، فمن الضروري أيضاً مساءلة السياسات الأوروبية نفسها.

لقد تبنت دول عديدة، خلال عقود، رؤية تقوم على أن احترام الخصوصيات الثقافية والدينية كفيل وحده بضمان الاندماج. لكن التجربة أظهرت أن الاعتراف بالاختلاف، على أهميته، لا يغني عن بناء فضاء مواطنة مشترك يقوم على اللغة، والتعليم، والقانون، والحقوق والواجبات المتساوية.

كما أن تأخر بعض الدول في تكوين أئمة داخل جامعاتها، وفي تشجيع خطاب ديني منبثق من الواقع الأوروبي، جعلها تعتمد طويلاً على أطر دينية تكوّنت في سياقات سياسية وثقافية مختلفة.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من التعميم. فالجاليات المسلمة في أوروبا ليست كتلة واحدة، ولا يمكن اختزالها في الجمعيات أو التنظيمات الأكثر حضوراً إعلامياً. فهناك ملايين المسلمين الذين يمارسون دينهم باعتباره شأناً روحياً وأخلاقياً، ويعتبرون أنفسهم جزءاً من أوطانهم الأوروبية، ولا يرون أي تعارض بين إيمانهم الديني وانتمائهم الوطني.

نحو إسلام أوروبي للمواطنة

ربما يكون التحدي الأكبر الذي تواجهه أوروبا اليوم هو الانتقال من إدارة الإسلام باعتباره ملفاً مرتبطاً بالهجرة، إلى الاعتراف بأنه أصبح جزءاً من تاريخها الاجتماعي والثقافي.

إن بناء إسلام أوروبي لا يعني إنشاء دين جديد، ولا قطع الصلة بالتراث الإسلامي، بل يعني تطوير قراءة دينية تنطلق من واقع المسلمين الأوروبيين، وتحترم الدساتير الوطنية، وتؤكد أن المواطنة هي الإطار الجامع لجميع المواطنين، بصرف النظر عن معتقداتهم.

إن نجاح هذا المشروع يتطلب أيضاً استقلال المؤسسات الدينية عن التجاذبات السياسية الخارجية، وتشجيع تكوين علماء وأئمة يجمعون بين المعرفة الشرعية العميقة والإلمام بالفكر الدستوري الأوروبي، حتى يصبح الإسلام في أوروبا شريكاً في بناء المجال العام، لا موضوعاً دائماً للريبة أو للصراع.

خاتمة

إن مستقبل أوروبا لن تحدده علاقة الإسلام بالديمقراطية فقط، بل ستحدده قدرة الديمقراطية نفسها على إدارة التنوع من دون التخلي عن مبادئها الأساسية.

إن الإسلام، بوصفه ديناً، ليس خصماً للديمقراطية، كما أن الديمقراطية ليست خصماً للدين. أما الإسلام السياسي، بوصفه مجموعة من التيارات والمشاريع المختلفة، فينبغي أن يُدرس ويُناقش ويُنتقد وفق أفعاله وخطاباته والتزامه بالقانون، لا وفق الصور النمطية أو الأحكام المسبقة.

لقد علمتنا التجربة الأوروبية أن الخلط بين المسلم والإسلامي، وبين الدين والأيديولوجيا، لا يخدم إلا دعاة الاستقطاب، سواء كانوا من اليمين المتطرف أو من دعاة التوظيف السياسي للدين. أما الطريق الأصعب، والأكثر وفاءً لقيم الديمقراطية، فهو طريق البحث العلمي، والتمييز المفاهيمي، والحوار الصريح.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه أوروبا في القرن الحادي والعشرين: ليس كيف تمنع الإسلام، بل كيف ترسخ دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، وتبقى فيها الحرية مصونة، والدستور هو المرجعية العليا، من دون أن تتحول التعددية إلى ذريعة لتفكيك الأسس المشتركة التي يقوم عليها العيش معاً.

(*) إسحاق هموش صحفي وكاتب بلجيكي من أصول مغربية، له عدة مؤلفات ومقالات رأي، ويهتم بقضايا المجتمع والحكامة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

Annonce publicitairespot_img

Catégories