Accueilبالعربيةقضية بيغاسوس تعود...

قضية بيغاسوس تعود إلى الواجهة في فرنسا: أدلة جديدة وتحقيق قضائي مستمر

عادت قضية برنامج التجسس «بيغاسوس» إلى واجهة النقاش في فرنسا بعد نشر معلومات وتحقيقات صحفية جديدة بشأن استخدام البرنامج في استهداف مسؤولين فرنسيين وصحفيين ومعارضين وشخصيات عامة. وتأتي هذه التطورات بعد نحو خمس سنوات من الكشف الأول عن القضية سنة 2021، عندما ظهر أن أرقام هواتف تعود إلى شخصيات فرنسية بارزة كانت موجودة ضمن بيانات مرتبطة بأهداف محتملة لبرنامج التجسس الذي طورته شركة «إن إس أو غروب» الإسرائيلية.

الجديد في الملف هو ظهور وثائق داخلية وشهادات ومعلومات إضافية يُقال إنها تعزز الفرضية القائلة إن أجهزة مغربية استخدمت بيغاسوس في عمليات مراقبة استهدفت أشخاصاً داخل فرنسا وخارجها. ومع ذلك، يجب التمييز بين وجود رقم هاتف ضمن قائمة أهداف محتملة وبين إثبات اختراق الهاتف فعلياً. فإدراج الرقم قد يدل على الاهتمام بصاحبه أو على محاولة استهدافه، لكنه لا يشكل وحده دليلاً تقنياً قاطعاً على نجاح عملية التجسس. أما إثبات الاختراق، فيتطلب فحص الهاتف والعثور على آثار تقنية مرتبطة بالبرنامج.

من بين العناصر الجديدة التي طُرحت وثائق داخلية من شركة «إن إس أو غروب» تتحدث عن عميل يحمل اسماً رمزياً هو «مورغان». وبحسب التحقيقات المنشورة، فإن هذا الاسم كان يشير إلى المغرب. وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها لا تأتي فقط من تحليل أرقام الهواتف أو من شهادات خارجية، وإنما من معلومات مرتبطة بطريقة تنظيم الشركة لعلاقاتها مع عملائها. وإذا ثبتت صحة هذا الربط بصورة نهائية، فقد يمثل ذلك عنصراً مهماً في تحديد الجهة التي حصلت على البرنامج واستخدمته.

كما ظهرت شهادة لشخص قُدّم باعتباره مسؤولاً سابقاً في جهاز الاستخبارات الداخلية المغربي، واستخدم اسماً مستعاراً هو «صفير». ووفقاً لما نُشر، تحدث هذا الشخص عن استخدام المغرب لبرنامج بيغاسوس منذ عام 2017، وعن تخصيصه لمراقبة أهداف اعتُبرت شديدة الحساسية، من بينها صحفيون ومعارضون ونشطاء حقوقيون ومسؤولون أجانب. كما وصف منظومة مراقبة أوسع لا تعتمد على بيغاسوس وحده، بل تشمل وسائل تقنية أخرى لجمع المعلومات، إلى جانب ممارسات تهدف إلى مراقبة المعارضين والتأثير في صورتهم العامة.

في فرنسا، تتركز حساسية الملف على وجود أرقام تعود إلى مسؤولين سياسيين كبار، من بينهم الرئيس إيمانويل ماكرون وعدد من الوزراء والمسؤولين. وقد أثارت هذه المعلومات منذ ظهورها سنة 2021 قلقاً بالغاً داخل مؤسسات الدولة الفرنسية، لأن استهداف رئيس الجمهورية أو أعضاء الحكومة، حتى في حال عدم نجاح الاختراق، يمثل مسألة تتعلق بالأمن القومي وبحماية الاتصالات الرسمية.

خضعت بعض الأجهزة المرتبطة بالمسؤولين والصحفيين لفحوص تقنية، وأُعلن في عدد من الحالات عن العثور على مؤشرات تتوافق مع محاولات استهداف أو اختراق باستخدام بيغاسوس. لكن النتائج لم تكن متطابقة بالنسبة إلى جميع الأشخاص، كما أن وجود اسم أو رقم في البيانات المسربة لا يعني بالضرورة أن الهاتف تعرّض للاختراق. لذلك ظل التحقيق يعتمد على الجمع بين الأدلة التقنية وشهادات الضحايا والمعلومات المتعلقة بعمل شركة «إن إس أو» وعملائها.

برنامج بيغاسوس من أكثر أدوات التجسس الإلكتروني تطوراً. فعند نجاحه في إصابة الهاتف، يستطيع الوصول إلى الرسائل والصور وجهات الاتصال والملفات المخزنة، كما يمكنه تشغيل الميكروفون أو الكاميرا وجمع بيانات الموقع. وفي بعض الحالات لا يحتاج المهاجم إلى أن يضغط صاحب الهاتف على رابط ضار، لأن البرنامج قد يستغل ثغرات تسمح بالاختراق من دون أي تفاعل من المستخدم. وهذا ما يجعل اكتشافه صعباً، خصوصاً عندما تكون الثغرات المستخدمة غير معروفة بعد للشركات المصنعة للهواتف وأنظمة التشغيل.

على المستوى القضائي، لا يزال التحقيق الفرنسي مستمراً في الشكاوى المرتبطة بالقضية. ويهدف هذا المسار إلى معرفة ما إذا كانت هواتف أشخاص موجودين على الأراضي الفرنسية قد اختُرقت فعلاً، وتحديد الجهة التي أمرت بعمليات المراقبة أو نفذتها، ومعرفة مدى مسؤولية الشركة المطورة للبرنامج. كما يسعى المحققون إلى فهم كيفية بيع بيغاسوس وشروط استخدامه والجهات التي كان مسموحاً لها باختيار الأهداف.

وشملت الإجراءات الاستماع إلى مسؤولين سابقين أو مؤسسين في شركة «إن إس أو غروب». غير أن الحصول على معلومات دقيقة عن العملاء والعمليات المنفذة ظل أمراً معقداً، بسبب السرية التجارية والقيود القانونية الإسرائيلية والطبيعة الأمنية للعقود. وتؤكد الشركة باستمرار أنها تبيع تقنياتها حصراً إلى حكومات وأجهزة رسمية بهدف مكافحة الإرهاب والجريمة الخطيرة، وأنها لا تختار الأشخاص المستهدفين بنفسها. لكن منظمات حقوقية وصحفيين وباحثين أمنيين يقولون إن البرنامج استُخدم في دول متعددة ضد أشخاص لا علاقة لهم بالإرهاب أو الجريمة المنظمة، مثل الصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين.

المغرب من جانبه ينفي بصورة قاطعة الاتهامات الموجهة إليه، ويرفض القول إنه اشترى بيغاسوس أو استخدمه للتجسس على مسؤولين فرنسيين أو صحفيين ومعارضين. كما طعنت السلطات المغربية في منهجية التحقيقات الصحفية، واعتبرت أن الاستنتاجات المنشورة لا تقدم دليلاً نهائياً على مسؤوليتها. واتخذ المغرب إجراءات قانونية ضد بعض وسائل الإعلام والأشخاص الذين ربطوا اسمه بالقضية، مؤكداً أن الاتهامات تمس بصورة الدولة ومؤسساتها.

إحدى النقاط اللافتة التي ظهرت في سياق التحقيقات هي أن مسؤولين فرنسيين ناقشوا في مرحلة سابقة إمكانية الحصول على برنامج بيغاسوس أو الاطلاع على قدراته. وتحدثت معلومات عن اجتماعات جرت بين ممثلين عن الشركة الإسرائيلية ومسؤولين فرنسيين خلال عامي 2019 و2020. لكن فرنسا لم تُتم عملية الشراء، وقيل إن القرار ارتبط بعدم الرغبة في الاعتماد على أداة مراقبة أجنبية بالغة الحساسية، إضافة إلى المخاطر الأمنية والسياسية والقانونية التي قد تنتج عن استخدامها.

هذا الجانب يكشف تعقيد موقف الدول من برامج التجسس المتطورة. فمن جهة، ترى الأجهزة الأمنية أن هذه الأدوات يمكن أن تساعد في تعقب الشبكات الإرهابية والجماعات الإجرامية والأشخاص الذين يستخدمون تطبيقات مشفرة. ومن جهة أخرى، يؤدي غياب الرقابة الصارمة إلى إمكانية تحويلها إلى وسائل لمراقبة الصحفيين والمعارضين والمسؤولين الأجانب. ولذلك لا يقتصر الجدل على هوية الدول التي استخدمت البرنامج، بل يشمل أيضاً مسؤولية الشركات المنتجة والدول التي تسمح بتصدير هذه التقنيات.

سياسياً، تظل القضية شديدة الحساسية بسبب العلاقات بين فرنسا والمغرب. فقد مرت العلاقات بين البلدين بفترات من التوتر، قبل أن تشهد لاحقاً محاولات لإعادة التقارب. ويعتقد مراقبون أن المصالح الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية تجعل التعامل السياسي مع ملف بيغاسوس أكثر تعقيداً. ففرنسا تعتبر المغرب شريكاً مهماً في ملفات تتعلق بمكافحة الإرهاب والهجرة والتعاون الاقتصادي وقضايا شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، بينما لا تريد الرباط قبول اتهامات ترى أنها غير مثبتة وتمس سيادتها ومؤسساتها.

ومع ذلك، فإن تحسن العلاقات السياسية لا يعني بالضرورة إغلاق المسار القضائي. فالتحقيقات التي تتولاها السلطات القضائية يفترض أن تستمر بصورة مستقلة عن الحسابات الدبلوماسية. ويظل السؤال الأساسي هو ما إذا كان بالإمكان جمع أدلة تقنية وقانونية كافية تسمح بتحديد المسؤوليات بصورة لا تقبل الشك، وهو أمر صعب بسبب تعقيد البرنامج وإمكانية حذف آثاره ورفض بعض الجهات الكشف عن المعلومات المتعلقة بعملائها.

تتجاوز قضية بيغاسوس الخلاف بين فرنسا والمغرب، لأنها تطرح مشكلة أوسع تتعلق بحدود المراقبة الرقمية في العالم. فالتقنيات التي كانت في الماضي حكراً على عدد محدود من أجهزة الاستخبارات أصبحت تُباع كمنتجات تجارية إلى دول مختلفة. وهذا التطور أدى إلى نشوء سوق دولية لبرامج الاختراق، تستطيع من خلالها الحكومات شراء قدرات تسمح بالدخول إلى أكثر الأجهزة الشخصية حساسية.

لهذا السبب تدعو منظمات حقوقية وخبراء في الأمن الرقمي إلى فرض قواعد دولية أكثر صرامة على بيع برامج التجسس وتصديرها واستخدامها. وتشمل المقترحات إخضاع الصفقات لمراقبة مستقلة، ووضع معايير واضحة لاختيار الأهداف، ومنع استخدام البرامج ضد الصحفيين والمحامين والنشطاء والمسؤولين السياسيين خارج التحقيقات الجنائية المشروعة، إضافة إلى توفير وسائل فعالة للضحايا من أجل اللجوء إلى القضاء والحصول على تعويض.

في المرحلة الحالية، لا يمكن القول إن القضية حُسمت قضائياً. فهناك تحقيقات صحفية وأدلة تقنية وشهادات جديدة تعزز بعض الاتهامات، لكن توجد في المقابل نفي رسمي واعتراضات على طريقة تفسير البيانات. ولذلك يبقى من الضروري الفصل بين الوقائع المثبتة والاتهامات التي لا تزال قيد التحقيق. المؤكد أن الملف لم يُغلق، وأن المعلومات الجديدة أعادت الضغط على السلطات الفرنسية وعلى شركة «إن إس أو غروب»، كما أعادت طرح أسئلة حول ما إذا كانت الاعتبارات الدبلوماسية قد أثرت في طريقة التعامل السياسي مع القضية.

في النهاية، أصبحت قضية بيغاسوس اختباراً لقدرة الأنظمة الديمقراطية على حماية المسؤولين والصحفيين والمواطنين من المراقبة غير القانونية. كما أصبحت اختباراً لمدى قدرة القضاء على التعامل مع جرائم رقمية عابرة للحدود، تشارك فيها شركات خاصة ودول وأجهزة استخبارات، وتحيط بها مستويات عالية من السرية. وما سيكشفه التحقيق الفرنسي مستقبلاً لن يؤثر فقط في العلاقات بين باريس والرباط، بل قد يساهم أيضاً في تحديد القواعد التي ستنظم صناعة برامج التجسس واستخدامها في السنوات المقبلة.

Annonce publicitairespot_img

Catégories