لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت إيران تمثل تهديدًا وشيكًا. في الواقع، لم تكن كذلك على الأرجح، على الأقل بالمعنى التقليدي للكلمة. وهنا يكمن الخطأ الذي وقع فيه جزء كبير من النقاش الاستراتيجي الغربي. فحصر التحليل في منطق الزمن القصير — زمن الاستعجال أو الهجوم الفوري — أدى إلى التقليل من فهم الطبيعة الحقيقية للقوة الإيرانية، التي تقوم على رؤية طويلة الأمد، متعددة الأبعاد، وممتدة في الزمن
إيران ليست فاعلًا يبحث عن الضربة الفورية، بل هي قوة تبني نفوذها تدريجيًا، من خلال الجمع بين التأثير الأيديولوجي، والانتشار غير المباشر عبر الحلفاء، والقدرات العسكرية غير المتكافئة. هذه المقاربة تجعل من إيران لاعبًا استراتيجيًا يعمل بصبر، لا بردود فعل سريعة
في هذا السياق، لا يمكن فهم قرار الولايات المتحدة بالدخول في مواجهة عسكرية على أنه رد على خطر وشيك، بل باعتباره محاولة لاحتواء خطر متزايد وبنيوي. هذا الخطر لا يقتصر على الملف النووي، بل يشمل بناء محور نفوذ يمتد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط، مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان، بالإضافة إلى قدرة إيران على التأثير عبر حلفائها مثل حزب الله، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن
غير أن التصعيد العسكري الذي بدأ في نهاية فبراير 2026 كشف سريعًا عن حدوده. فرغم التفوق التكنولوجي واللوجستي الأمريكي، واجهت الولايات المتحدة خصمًا يتمتع بعمق استراتيجي، وانتشار جغرافي واسع، وقدرة عالية على التكيّف، مما جعل تحقيق نصر سريع أمرًا غير واقعي. وفي المقابل، ورغم محدودية قدراتها في المواجهة المباشرة، أظهرت إيران قدرتها على تعطيل مفاصل حيوية في الاقتصاد العالمي، خاصة من خلال التوترات في مضيق هرمز، مؤكدة أن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط على الأرض، بل أيضًا عبر التحكم في تدفقات الطاقة والتجارة
في هذا الإطار، يجب فهم الهدنة التي أُعلنت في 7 أبريل. فهي لا تعكس تهدئة طوعية بقدر ما تمثل نتيجة لضغوط استراتيجية متبادلة. بالنسبة للولايات المتحدة، أصبح استمرار الحرب مكلفًا اقتصاديًا وسياسيًا، خاصة في ظل انعكاساته على الأسواق العالمية وعلى الداخل الأمريكي. أما بالنسبة لإيران، فإن الضغوط العسكرية والاقتصادية المتراكمة كانت تنذر باحتمال اضطراب داخلي في بلد يعاني أصلًا من هشاشة هيكلية
وعليه، فإن الهدنة لا تمثل توازنًا، بل مجرد توقف مؤقت. إنها تمنح الطرفين فرصة لإعادة تقييم مواقفهما، وإعادة ضبط استراتيجياتهما، واستعادة هامش من الحركة. وهذا يتماشى مع منطق إدارة النزاعات، حيث تتحول المواجهة المباشرة، عندما تبلغ حدودها، إلى مرحلة إعادة تموضع استراتيجي
تندرج هذه المرحلة ضمن سياق جيوسياسي أوسع، تلعب فيه عدة أطراف أدوارًا حاسمة. دول الخليج، المعرضة مباشرة لتداعيات التصعيد، تسعى إلى تجنب انفلات الوضع مع الحفاظ على شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة. أما إسرائيل، فتبقى في حالة مواجهة استراتيجية مستمرة مع إيران، معتبرة أن أي هدنة مؤقتة لا تغير من طبيعة التهديد. في المقابل، تراقب قوى كبرى مثل الصين وروسيا الوضع عن كثب، وتعمل على استثمار نقاط الضعف الغربية لتعزيز نفوذها في المنطقة
في هذا المشهد المعقد، لا تعني الهدنة نهاية الحرب، بل تحولها إلى أشكال أخرى أقل وضوحًا لكنها لا تقل تأثيرًا: ضغوط اقتصادية، صراعات غير مباشرة، عمليات محدودة، وحروب نفوذ. وهذا يعكس طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث يتلاشى الخط الفاصل بين الحرب والسلم
السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل ما إذا كان الطرفان قادرين على تجنب تصعيد جديد خارج السيطرة. فالمواجهة المباشرة كشفت حدودها، لكنها لم تعالج جذور الخلاف. الولايات المتحدة لا يمكنها القبول بتوسع النفوذ الإيراني دون رد، وإيران بدورها لا يمكنها التخلي عن استراتيجية تشكل جوهر أمنها القومي ونفوذها الإقليمي
في هذا السياق، تبدو الهدنة الحالية كاستراحة استراتيجية ضرورية لكنها هشة. فهي تمنح بعض الوقت، لكنها لا تغيّر من طبيعة الصراع ولا تحل أسبابه
لقد أظهرت تجارب النزاعات الحديثة أن هذه المراحل الانتقالية غالبًا ما تكون الأكثر حسماً، حيث يُعاد فيها تشكيل موازين القوى، وتُبنى التحالفات، وتُحضَّر مراحل جديدة من الصراع. وبالتالي، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الحرب ستعود، بل كيف ستعود، وبأي شكل، وبأي مستوى من التصعيد
لأن ما هو على المحك لا يقتصر على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل يمتد إلى توازنات الشرق الأوسط بأكمله، وإلى قدرة المجتمع الدولي على احتواء صراع تتجاوز تداعياته حدود المنطقة
الهدنة ليست سلامًا، بل هي إعادة تموضع في صراع مرشح للاستمرار
إسحاق همّوش
صحفي وكاتب بلجيكي مغربي
مؤلف لعدة كتب ومقالات، يركز في تحليلاته على قضايا المجتمع، والحوكمة، والتحولات العالمية المعاصرة


