تحقيق وتحليل — خلال ما يقارب ثلاثة عقود، تعاقبت على قيادة الحكومات المغربية شخصيات جاءت من مدارس سياسية واقتصادية مختلفة: عبد الرحمن اليوسفي، المعارض التاريخي الذي قاد تجربة التناوب؛ إدريس جطو، رجل الإدارة والتكنوقراط؛ عباس الفاسي، ابن المدرسة الحزبية التقليدية؛ عبد الإله بنكيران، السياسي الذي حمل الإسلاميين إلى رئاسة الحكومة بعد دستور 2011؛ سعد الدين العثماني، الذي قاد مرحلة سياسية صعبة انتهت بهزيمة انتخابية تاريخية لحزبه؛ ثم عزيز أخنوش، رجل الأعمال شديد الثراء الذي وصل إلى رئاسة الحكومة سنة 2021 بأغلبية برلمانية مريحة ووعد ببناء «الدولة الاجتماعية». وبين بداية تجربة اليوسفي ونهاية ولاية أخنوش تقريباً، تغير المغرب بصورة عميقة: طرق وموانئ وقطارات وصناعات جديدة واستثمارات كبرى وحماية اجتماعية أوسع، لكن أسئلة أخرى ظلت قائمة أو عادت بقوة أكبر: البطالة، المدرسة والمستشفى العموميان، الفوارق الاجتماعية والمجالية، الفساد، العلاقة بين المال والسياسة، ثم سؤال أصبح أكثر إلحاحاً مع احتجاجات الشباب: لماذا لا يشعر جزء من المغاربة بأن سرعة تحسن حياتهم توازي سرعة المشاريع الكبرى التي يشاهدونها حولهم؟
من اليوسفي إلى أخنوش… ستة رؤساء وست مدارس مختلفة في ممارسة الحكم
لفهم موقع حكومة عزيز أخنوش في التاريخ السياسي الحديث للمغرب، لا يكفي النظر إلى السنوات الخمس الأخيرة بمعزل عما سبقها. فقد دخل عبد الرحمن اليوسفي إلى الوزارة الأولى سنة 1998 في واحدة من أكثر اللحظات رمزية في عهد الملك الحسن الثاني، عندما انتقل معارض تاريخي عاش المنفى والصراع السياسي إلى قيادة الحكومة في تجربة «التناوب التوافقي». وبعده جاء إدريس جطو سنة 2002 ممثلاً نموذجاً تكنوقراطياً أكثر ارتباطاً بالإدارة والاقتصاد، ثم عباس الفاسي سنة 2007 ممثلاً للمدرسة الحزبية التقليدية قبل أن تهز احتجاجات 2011 الحياة السياسية المغربية. وبعد دستور 2011 وصل عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة على رأس حزب العدالة والتنمية، ثم خلفه سعد الدين العثماني سنة 2017، قبل أن تقلب انتخابات 2021 الخريطة السياسية وتصعد بعزيز أخنوش وحزب التجمع الوطني للأحرار إلى قيادة الحكومة.
هذه ليست مجرد أسماء تعاقبت على المنصب نفسه. كل مرحلة جسدت تصوراً مختلفاً لعلاقة السياسة بالدولة والاقتصاد والمجتمع. اليوسفي حمل معه رمزية المصالحة السياسية؛ جطو جسد منطق الكفاءة التكنوقراطية؛ عباس الفاسي مثّل مرحلة الأحزاب التقليدية قبل صدمة الربيع العربي؛ بنكيران حاول بناء علاقة مباشرة بين الشرعية الانتخابية والقرار الحكومي؛ العثماني واجه مرحلة سياسية معقدة ثم جائحة عالمية غير مسبوقة؛ أما أخنوش فوصل إلى رئاسة الحكومة حاملاً معه تركيبة لم تكن بهذه القوة لدى معظم سابقيه: زعامة حزبية، خبرة طويلة داخل الحكومة، ثروة شخصية كبيرة، ارتباط بعالم الأعمال، أغلبية برلمانية مريحة، وبرنامج انتخابي رفع سقف الوعود الاجتماعية بصورة غير مسبوقة تقريباً.
اليوسفي: عندما كانت قيمة رئيس الحكومة سياسية قبل أن تكون اقتصادية
تجربة عبد الرحمن اليوسفي لا يمكن تقييمها فقط بمعدلات النمو أو مؤشرات البطالة. قيمتها الأساسية كانت سياسية وتاريخية. فقد جاءت في نهاية عهد الحسن الثاني وفي سياق كان المغرب يبحث فيه عن انتقال أكثر هدوءاً بعد عقود من الصراع بين الدولة والمعارضة. وصول رجل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عاش سنوات من المنفى والمعارضة، إلى الوزارة الأولى حمل رسالة قوية بشأن إمكانية انتقال الصراع من الشارع والمنفى والسجون إلى المؤسسات. لم تختفِ في عهده البطالة أو الفقر أو الفساد، ولم تتحول الحكومة إلى مركز القرار الوحيد في الدولة، لكن تجربته بقيت مرتبطة في الذاكرة السياسية بفكرة الانتقال والتوافق وإعادة بناء الثقة.
والمقارنة مع الحاضر لا تعني أن زمن اليوسفي كان اقتصادياً أو اجتماعياً أفضل في كل شيء؛ المغرب آنذاك كان أقل تطوراً بكثير في البنية التحتية والاستثمار والدخل والخدمات. لكن شخصية رئيس الحكومة نفسها كانت مختلفة: رجل جاء من تاريخ سياسي ونضالي طويل، ولم يكن وصوله إلى السلطة مرتبطاً بامتلاك إمبراطورية اقتصادية خاصة. وهذه النقطة ستصبح بعد أكثر من عشرين عاماً ذات أهمية خاصة عندما يصل إلى رئاسة الحكومة واحد من أبرز رجال الأعمال في البلاد.
جطو والمشاريع الكبرى: بداية المغرب الذي يريد أن يتحول إلى منصة اقتصادية
مع إدريس جطو، دخل المغرب مرحلة مختلفة. توسعت الأوراش الكبرى، وتعزز منطق جذب الاستثمارات وربط البلاد بالاقتصاد العالمي، وتسارع تطوير البنية التحتية. وخلال السنوات التالية، سيصبح هذا التوجه واحداً من أهم ثوابت النموذج المغربي: موانئ عالمية، طرق سيارة، سكك حديدية، مناطق صناعية، صناعة السيارات والطيران، استثمارات في الطاقة، ثم لاحقاً القطار فائق السرعة ومشاريع استراتيجية جعلت المغرب أكثر حضوراً على الخريطة الاقتصادية الدولية.
لكن هذه المرحلة زرعت أيضاً مفارقة ستظهر بوضوح أكبر لاحقاً: قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع ضخمة لا تعني بالضرورة أن المدرسة العمومية والمستشفى وفرص العمل والدخل الفردي ستتحسن بالسرعة نفسها. ومع مرور السنوات أصبح المغرب يملك واجهة اقتصادية ولوجستية أكثر تطوراً، بينما بقيت قطاعات اجتماعية واسعة تطالب بتقليص الفوارق وتحسين الخدمات الأساسية. وهذه المفارقة ليست مسؤولية جطو أو حكومة واحدة؛ إنها واحدة من الأسئلة الهيكلية التي رافقت النموذج التنموي المغربي خلال عقود.
2011 غيّرت قواعد اللعبة… ورفعت سقف محاسبة الحكومة
عندما كان عباس الفاسي يقود الحكومة، وصلت موجة احتجاجات 2011 إلى المغرب عبر حركة 20 فبراير، حاملة مطالب بالديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة. وجاء دستور 2011 ليعيد تنظيم جزء مهم من الحياة المؤسساتية، وأصبح الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب. ومنذ ذلك التاريخ ارتفع منطقياً سقف المسؤولية السياسية للحكومة المنتخبة: فإذا كانت الأحزاب تطلب أصوات المواطنين للوصول إلى قيادة الجهاز التنفيذي، فإن المواطن سيحاسبها على ما يحدث في الأسعار والشغل والصحة والتعليم والضرائب.
هذه النقطة أساسية عند تقييم أخنوش اليوم. فالمغرب بعد 2011 ليس المغرب نفسه الذي قاده اليوسفي أو جطو في التسعينيات وبداية الألفية. رئيس الحكومة اليوم يمتلك شرعية انتخابية وصلاحيات دستورية ومسؤولية سياسية أكبر، ولذلك لا يمكنه في الوقت نفسه المطالبة بنسب الإنجازات إلى حكومته ثم اعتبار الإخفاقات كلها نتيجة تراكمات سابقة أو ظروف خارجية.
بنكيران: شعبية سياسية كبيرة اصطدمت بكلفة الحكم
وصل عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2011 بأسلوب سياسي لم يكن مألوفاً لدى رؤساء الحكومات السابقين. كان يخاطب المواطنين مباشرة، يدخل في مواجهات علنية مع خصومه، ويمتلك قدرة على تحويل النقاش الحكومي إلى نقاش شعبي. لكنه واجه أيضاً قرارات ذات كلفة اجتماعية وسياسية، من إصلاح نظام المقاصة إلى ملفات التقاعد وإدارة توازنات ائتلافية معقدة. وبغض النظر عن الموقف من تجربته، فقد كشفت سنواته أن الفوز في الانتخابات لا يكفي وحده لتغيير الاقتصاد والمجتمع، وأن رئيس الحكومة يعمل داخل منظومة من القيود المالية والمؤسساتية والسياسية.
لكن مشاكل أساسية ظلت تتراكم: بطالة الشباب، ضعف جودة المدرسة العمومية، أزمة الصحة، التفاوت بين الجهات، اتساع الاقتصاد غير المهيكل وصعوبة خلق عدد كاف من الوظائف الجيدة. وستنتقل هذه الملفات إلى حكومة العثماني، ثم إلى حكومة أخنوش، من دون أن تجد حلاً نهائياً.
العثماني: حكومة ضعيفة سياسياً واجهت أزمة لم يكن أحد مستعداً لها
تولى سعد الدين العثماني رئاسة الحكومة سنة 2017 في ظروف سياسية معقدة، ثم جاءت جائحة كوفيد-19 سنة 2020 لتضرب الاقتصاد المغربي كما ضربت اقتصادات العالم. أغلقت الحدود، انهارت السياحة مؤقتاً، توقفت أنشطة اقتصادية وتضررت مداخيل مئات الآلاف من الأسر. ومن غير المنصف تقييم حكومة العثماني اقتصادياً من دون إدخال هذه الصدمة التاريخية في الحساب. لكن من غير الممكن أيضاً تجاهل أن نهاية ولايته شهدت انهياراً انتخابياً لحزب العدالة والتنمية، وهو ما فتح الباب أمام تجربة سياسية مختلفة جذرياً.
2021: أخنوش يصل ومعه المال والخبرة والأغلبية والوعد الكبير
عندما وصل عزيز أخنوش إلى رئاسة الحكومة في أكتوبر 2021، لم يكن سياسياً مبتدئاً يتعرف لأول مرة على أجهزة الدولة. كان قد أمضى سنوات طويلة وزيراً للفلاحة، ويعرف الإدارة والاقتصاد وعالم الاستثمار، كما أنه رجل أعمال شديد الثراء وتنتمي عائلته إلى مجموعة اقتصادية كبيرة ذات مصالح متعددة. وفوق ذلك، وصل حزبه إلى قيادة أغلبية حكومية مريحة نسبياً. ولذلك كان سقف التوقعات أعلى بكثير مما كان لدى بعض الحكومات السابقة.
وجود رجل أعمال ثري على رأس الحكومة ليس جريمة ولا دليلاً على فساد. ولا يجوز صحافياً استنتاج أن كل قرار حكومي يخدم مصالحه الاقتصادية. لكن اجتماع القوة السياسية والثروة الاقتصادية في شخص رئيس الحكومة يجعل سؤال تضارب المصالح مشروعاً وضرورياً في أي نظام يسعى إلى الشفافية: ما هي الآليات التي تضمن الفصل بين القرار العمومي والمصلحة الاقتصادية الخاصة؟ متى يجب على المسؤول التنحي عن اتخاذ قرار يمس قطاعاً ترتبط به مصالحه؟ وهل يملك المواطن والصحافي ما يكفي من المعلومات للتحقق من هذا الفصل بصورة مستقلة؟
المال والسياسة: السؤال ليس هل أخنوش غني، بل هل المؤسسات قوية بما يكفي؟
اختزال القضية في ثروة أخنوش سيكون خطأ. الثروة في حد ذاتها ليست مخالفة، ورجل الأعمال يستطيع أن يدخل السياسة مثل الطبيب والمحامي والأستاذ. السؤال الحقيقي يتعلق بقوة المؤسسات التي تحيط بصاحب القرار. في دولة تمتلك منظومة قوية لتدبير تضارب المصالح، يفترض أن تكون هناك قواعد واضحة بشأن التصريح بالمصالح والممتلكات، والملكية الفعلية للشركات، والصفقات العمومية، والتنحي عند تضارب المصالح، والرقابة المستقلة. وكلما كانت هذه الآليات أكثر شفافية، تقل الحاجة إلى الشائعات، لأن الوثائق نفسها تجيب عن الأسئلة.
أما عندما يصعب على المواطن معرفة التفاصيل الدقيقة لتطور ممتلكات كبار المسؤولين أو نتائج عمليات التحقق منها، فإن الشك يتوسع حتى في غياب دليل على ارتكاب جريمة. ولذلك فإن قضية العلاقة بين المال والسياسة في المغرب أكبر من أخنوش نفسه: إنها سؤال حول قدرة المؤسسات على إقناع المواطن بأن صاحب النفوذ الاقتصادي يخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها الجميع.
لكن أخنوش لم يصل بلا مشروع: «الدولة الاجتماعية» كانت عنوان المرحلة
سيكون غير مهني الادعاء بأن حكومة أخنوش لم تنجز شيئاً. فقد شهدت ولايتها توسعاً كبيراً في ورش الحماية الاجتماعية وإطلاق نظام الدعم الاجتماعي المباشر، كما استمرت الاستثمارات الكبرى ومشاريع البنية التحتية، وواجهت الحكومة آثار الجفاف والتضخم العالمي والحرب في أوكرانيا وزلزال الحوز. وبحلول 2026، أعلنت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر أصبح يستفيد منه نحو 3.9 ملايين أسرة، تشمل حوالي 5.5 ملايين طفل و1.7 مليون شخص مسن، وأن 60 في المائة من المستفيدين يوجدون في الوسط القروي.
هذه أرقام لا يجوز حذفها من التحقيق لمجرد أنها تصب في مصلحة الحكومة. على العكس، إدراجها يجعل المحاسبة أكثر قوة: إذا كانت الدولة تنفق أكثر وتوسع الحماية الاجتماعية وتنجز مشاريع كبرى، فلماذا بقي الشعور بالهشاشة والاحتجاج قوياً لدى جزء من المجتمع؟ السؤال يصبح هنا أكثر تعقيداً من ثنائية «نجاح أو فشل». ربما يكون المغرب قد نجح في بناء أدوات اجتماعية جديدة، لكنه لم ينجح بعد في تحويلها إلى شعور واسع بالأمان الاقتصادي والصعود الاجتماعي.
الأرقام تقول شيئاً مهماً: مستوى العيش تحسن على المدى الطويل… لكن اللامساواة لم تتراجع
المندوبية السامية للتخطيط تقدم هنا واحدة من أكثر الصور دقة. ففي بحثها الوطني حول مستوى معيشة الأسر 2022-2023، الذي شمل عينة من 18 ألف أسرة ممثلة لمختلف الفئات والجهات، خلصت إلى أن مستوى عيش الأسر المغربية تحسن هيكلياً على المدى الطويل، لكن هذا التحسن لم يصاحبه انخفاض مماثل في اللامساواة. فقد انتقل مؤشر جيني من 39.5 في المائة سنة 2014 إلى 38.5 في المائة سنة 2019، ثم ارتفع إلى 40.5 في المائة سنة 2022. وبمعنى أبسط: المغرب أصبح أكثر ثراءً وتطوراً في مؤشرات عديدة، لكن توزيع مستوى العيش أصبح أقل مساواة مقارنة بسنة 2019.
أما الفقر المطلق، فقد انخفض على المدى الطويل من 4.8 في المائة سنة 2014 إلى 3.9 في المائة سنة 2022، لكنه كان قد وصل إلى 1.7 في المائة سنة 2019 قبل أن يرتفع مجدداً. وقدرت المندوبية عدد الأشخاص الموجودين تحت عتبة الفقر المطلق سنة 2022 بحوالي 1.42 مليون شخص، بينهم 906 آلاف في الوسط القروي. وفي الوقت نفسه بلغت نسبة الهشاشة 12.9 في المائة. هذه الأرقام لا تسمح بالقول إن «المغاربة أصبحوا جميعاً أفقر»، لكنها تسمح بقول شيء أكثر دقة وأهمية: التقدم الاقتصادي والاجتماعي طويل المدى لم يمنع عودة الهشاشة واتساع التفاوت بعد الصدمات الأخيرة.
ولا يمكن تحميل أخنوش وحده أرقاماً تبدأ قبل وصوله إلى الحكومة
الدقة هنا ضرورية. مقارنة 2019 بسنة 2022 تشمل جائحة كوفيد وآثارها الاقتصادية، كما أن أخنوش لم يصبح رئيساً للحكومة إلا في أكتوبر 2021. ولذلك سيكون من التضليل تحميل حكومته وحدها كامل الارتفاع في الفقر أو اللامساواة خلال هذه الفترة. لكن هذه البيانات تحدد نقطة الانطلاق الاجتماعية التي واجهتها حكومته، وبعد خمس سنوات يصبح من المشروع مطالبتها بإظهار إلى أي مدى استطاعت سياساتها عكس هذا الاتجاه، خصوصاً أنها جعلت «الدولة الاجتماعية» عنواناً مركزياً لولايتها.
البطالة: هنا يصبح امتحان «الدولة الاجتماعية» أكثر قسوة
أحد أكثر المؤشرات حساسية هو التشغيل. فخلال احتجاجات 2025، كانت البطالة الوطنية في حدود 12.8 في المائة وفق بيانات المندوبية التي نقلتها وكالة رويترز، لكنها وصلت إلى نحو 35.8 في المائة وسط الشباب وإلى قرابة 19 في المائة لدى حاملي الشهادات. هذه الأرقام تفسر جانباً من المفارقة المغربية: بلد يجذب مصانع السيارات والطيران ويستثمر في الموانئ والطاقات المتجددة والسياحة والبنية التحتية، لكنه لا يزال يجد صعوبة في خلق فرص كافية لجيل شاب يدخل سوق العمل بتوقعات أعلى من الأجيال السابقة.
وهنا لا يعود السؤال فقط عن معدل النمو. فالشاب الذي يحمل شهادة ولا يجد عملاً لا يعيش الناتج الداخلي الخام، والأسرة التي تنتظر موعداً طبياً لا تقيس التنمية بعدد الكيلومترات الجديدة من الطرق السيارة. وهذا لا يجعل المشاريع الكبرى بلا قيمة؛ بل يعني أن نجاحها السياسي والاجتماعي يعتمد في النهاية على قدرتها على تحسين الحياة اليومية وإنتاج وظائف ودخل وخدمات.
2025: اللحظة التي تحولت فيها الأرقام إلى شارع
في شتنبر 2025، خرجت احتجاجات شبابية في عدد من المدن المغربية مطالبة بتحسين الصحة والتعليم والفرص الاقتصادية والمساءلة. تحركت مجموعات شبابية عبر شبكات التواصل ومنصات رقمية تحت اسم «GenZ 212»، ووصلت الاحتجاجات إلى الرباط والدار البيضاء وأكادير وطنجة ووجدة ومناطق أخرى. وفي بعض المواقع تحولت الاحتجاجات لاحقاً إلى أعمال عنف وتخريب أصيب خلالها أفراد من القوات العمومية ومدنيون وتم توقيف مئات الأشخاص، فيما أعلنت المجموعة المنظمة رفضها للعنف.
أهمية هذه الاحتجاجات في تقييم حكومة أخنوش ليست في اعتبار كل من خرج إلى الشارع خصماً شخصياً لرئيس الحكومة، ولا في تجاهل أعمال العنف التي وقعت لاحقاً. أهميتها تكمن في طبيعة المطالب الأصلية نفسها: الصحة، التعليم، العمل والعدالة الاجتماعية. فهذه هي تقريباً المجالات التي جعلتها الحكومة في قلب خطاب «الدولة الاجتماعية». ولذلك فإن خروج جيل جديد للمطالبة بها بعد أربع سنوات من تشكيل الحكومة يمثل تناقضاً سياسياً لا يمكن تجاهله.
المفارقة وصلت إلى القمة: الملك نفسه دعا إلى تسريع الإصلاح
بعد موجة الاحتجاجات، دعا الملك محمد السادس في افتتاح البرلمان في أكتوبر 2025 إلى تسريع الإصلاحات المرتبطة بتشغيل الشباب وتحسين الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية والواحات. وهذه الإشارة مهمة لأنها تؤكد أن الخلل الاجتماعي لم يعد مجرد موضوع تتداوله المعارضة أو الصحافة، بل أصبح في قلب الأولويات المعلنة للدولة.
وفي الشهر نفسه، أعلنت الحكومة أن ميزانية 2026 ستعطي أولوية أكبر للصحة والتعليم، مع إنفاق حكومي على القطاعين يقترب من 9 في المائة من الناتج الداخلي الخام. وهذا يعني أن الحكومة نفسها أدركت الحاجة إلى تعزيز الاستجابة الاجتماعية. لكن مرة أخرى، الاختبار ليس فقط حجم الميزانية؛ بل جودة ما يراه المواطن في المستشفى والقسم وفرصة العمل.
الاحتجاجات كشفت أيضاً فجوة بين مغربين
التحليل الاقتصادي للاحتجاجات أظهر مفارقة أخرى. فالمغرب يتمتع بمعدلات نمو مهمة، ويستثمر بكثافة استعداداً لكأس العالم 2030، وطور بنيات أساسية وصناعات جعلته من الاقتصادات الأكثر تنوعاً في المنطقة. وفي المقابل، كان نحو ربع الشباب بين 15 و24 سنة، بحسب البيانات التي استندت إليها تحليلات دولية خلال الاحتجاجات، خارج العمل والدراسة والتكوين. وهذا النوع من المؤشرات لا يعني أن النموذج المغربي فشل بالكامل، بل يكشف أن نجاحه غير موزع بالتساوي بين الأجيال والمناطق والفئات الاجتماعية.
وهنا يظهر ربما أكبر تحدٍ أمام حكومة أخنوش ومن سيأتي بعدها: المغرب لا يحتاج فقط إلى نمو اقتصادي، بل إلى تحويل النمو إلى «مصعد اجتماعي». المواطن يجب أن يشعر أن التعليم يسمح لابنه بالصعود، وأن العمل يسمح له ببناء حياة، وأن المنافسة لا تتوقف عند حدود العلاقات والنفوذ، وأن الثروة ليست دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها بين الفئات نفسها.
الفساد: المشكلة التي لا تختفي من المؤشرات الدولية
في أحدث بيانات مؤشر مدركات الفساد المتاحة، حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100 واحتل المرتبة 91 من أصل 182 دولة. ومن الضروري فهم معنى هذا المؤشر: فهو لا يقول إن نسبة معينة من المسؤولين فاسدة، ولا يثبت ارتكاب شخص بعينه لجريمة؛ إنه يقيس تصورات الفساد في القطاع العام استناداً إلى مجموعة من المصادر والتقييمات. لكن بقاء المغرب في هذه المنطقة من الترتيب يشير إلى أن الثقة في منظومة النزاهة والشفافية والمساءلة لا تزال تحدياً كبيراً.
وهذا بالضبط ما يجعل النقاش حول أخنوش حساساً. لا يمكن تحويل الانتقادات السياسية أو الشكوك المتعلقة بتضارب المصالح إلى اتهامات جنائية بلا وثائق. وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المواطنين بالتوقف عن طرح الأسئلة لمجرد عدم وجود أحكام قضائية. الحل الحقيقي هو الشفافية: كلما كانت الصفقات والمصالح الاقتصادية والملكية الفعلية وقرارات التنحي والرقابة على الممتلكات أكثر وضوحاً، أصبح بالإمكان استبدال الشائعة بالوثيقة والاتهام بالتحقق.
هل أخنوش «أسوأ رئيس حكومة»؟ الصحافة الجادة لا تحتاج إلى هذا الحكم
من السهل كتابة أن عزيز أخنوش هو «أسوأ رئيس حكومة في تاريخ المغرب»، لكن هذه العبارة، مهما كانت قوتها السياسية، ضعيفة تحقيقياً لأنه لا يوجد مؤشر علمي واحد يسمح بترتيب رؤساء الحكومات من الأفضل إلى الأسوأ عبر مراحل تاريخية وظروف دستورية واقتصادية مختلفة. عبد الرحمن اليوسفي لم يحكم المغرب نفسه الذي يحكمه أخنوش، وبنكيران لم يواجه السياق نفسه، والعثماني عاش جائحة عالمية. المقارنة الجدية يجب أن تسأل عن الموارد المتاحة لكل حكومة، الوعود التي قدمتها، الظروف التي واجهتها والنتائج التي تركتها.
ومن هذه الزاوية، تصبح محاسبة أخنوش ربما أكثر صرامة من الشتيمة السياسية. فقد وصل بخبرة حكومية طويلة، وأغلبية قوية، وبرنامج اجتماعي واضح، وبمعرفة عميقة بعالم الاقتصاد والاستثمار، وقاد حكومة في بلد استمر في تنفيذ مشاريع كبرى وجذب استثمارات مهمة. لذلك فإن السؤال الذي سيطارده ليس ما إذا كان «الأسوأ»، بل ما إذا كانت النتائج الاجتماعية التي حققها تتناسب فعلاً مع حجم الوسائل السياسية والمالية والمؤسساتية التي توفرت له.
المشكلة ليست أخنوش وحده… وربما هذه هي الخلاصة الأكثر إزعاجاً
سيكون من المريح سياسياً تحميل رجل واحد كل المسؤولية. لكنه سيكون تحليلاً ضعيفاً. أزمة المدرسة أقدم من أخنوش، والمستشفى العمومي لم يبدأ مشاكله سنة 2021، والبطالة الهيكلية وتفاوت الفرص بين المدن والقرى والعلاقة المعقدة بين المال والسياسة والاقتصاد غير المهيكل وضعف الثقة في المؤسسات كلها مشاكل سبقت الحكومة الحالية. وحتى الارتفاع الذي عرفته بعض مؤشرات الفقر واللامساواة بدأ في سياق الجائحة قبل وصول أخنوش إلى رئاسة الحكومة.
لكن هذه الحقيقة لا تعفي الحكومة الحالية؛ بل تضع مسؤوليتها في مكان أدق. أخنوش لم يصنع كل المشاكل، لكنه وصل وهو يعد بحل جزء مهم منها. وبالتالي، فإن تقييمه يجب أن يقوم على المسافة بين ما ورثه، وما وعد به، وما امتلكه من وسائل، وما استطاع تغييره فعلاً.
من اليوسفي إلى أخنوش: المغرب تغير كثيراً… لكن سؤال العدالة بقي
المغرب الذي ترك فيه عبد الرحمن اليوسفي الوزارة الأولى سنة 2002 ليس المغرب الموجود اليوم. البلاد أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي، وبنيتها التحتية أقوى، وصناعتها أكثر تنوعاً، وقدراتها الاستثمارية أكبر، والحماية الاجتماعية أوسع. اختزال ربع قرن من التحولات في عبارة «كل شيء أصبح أسوأ» سيكون منافياً للوقائع. لكن الوقائع نفسها تقول أيضاً إن اللامساواة لم تختفِ، وإن الهشاشة عادت بعد صدمات السنوات الأخيرة، وإن بطالة الشباب ما زالت مرتفعة، وإن قطاعات الصحة والتعليم أصبحت في قلب احتجاجات جيل جديد.
وهذا ربما هو السؤال الأكبر الذي يتجاوز جميع رؤساء الحكومات: لماذا نجح المغرب بصورة واضحة في بناء الدولة الاستثمارية والبنية التحتية، لكنه يجد صعوبة أكبر في جعل المواطن يشعر بالسرعة نفسها في بناء المدرسة والمستشفى والوظيفة والمصعد الاجتماعي؟
الحكم النهائي على أخنوش سيأتي لاحقاً… لكن الامتحان موجود منذ الآن
التاريخ سيحدد المكان الذي سيحتله عزيز أخنوش بين رؤساء الحكومات المغربية، وسيكون إصدار حكم نهائي قبل انتهاء الولاية وتوفر جميع بياناتها الاقتصادية والاجتماعية عملاً متسرعاً. لكن هناك تناقضاً أصبح من المشروع تسجيله منذ الآن: رئيس حكومة وصل بأغلبية مريحة، وبخبرة طويلة، وببرنامج جعل «الدولة الاجتماعية» عنواناً مركزياً، شهدت ولايته في الوقت نفسه توسعاً حقيقياً للحماية الاجتماعية ووصول الدعم المباشر إلى ملايين الأسر، لكنه واجه أيضاً واحدة من أبرز موجات الاحتجاج الشبابي في السنوات الأخيرة، وكان جوهر مطالبها الصحة والتعليم والشغل والعدالة ومحاربة الفساد.
وهذا التناقض أكثر أهمية من أي وصف شخصي لأخنوش. فقد يكون السؤال الحقيقي في نهاية ولايته ليس: هل كان أغنى رئيس حكومة؟ وهل كان الأفضل أم الأسوأ؟ بل: هل استطاعت حكومته تحويل القوة الاقتصادية والاستثمارية التي راكمها المغرب إلى تحسن اجتماعي يشعر به المواطن بالسرعة نفسها؟
لأن المواطن في النهاية لا يعيش داخل معدل النمو ولا داخل تصنيف ائتماني ولا داخل صور الموانئ والقطارات والملاعب. إنه يقيس نجاح الدولة بأسئلة أكثر بساطة وقسوة: هل يستطيع ابنه أن يجد عملاً؟ هل يجد طبيباً عندما يمرض؟ هل تمنح المدرسة العمومية طفله فرصة حقيقية للصعود؟ وهل يشعر بأن القانون والمنافسة والفرص تطبق بالقواعد نفسها على المواطن العادي وصاحب المال والنفوذ؟
ومن عبد الرحمن اليوسفي إلى عزيز أخنوش، تغير المغرب وتغيرت الحكومات وتضاعفت المشاريع واتسعت طموحات الدولة. لكن الامتحان الأصعب بقي تقريباً هو نفسه: كيف تتحول قوة المغرب الاقتصادية إلى ثقة اجتماعية، وكيف تتحول الثروة التي ينتجها البلد إلى إحساس جماعي بأن الصعود ممكن وأن الفرص ليست امتيازاً مغلقاً؟ ربما يكون هذا هو السؤال الذي سيحدد حصيلة أخنوش أكثر من أي شعار انتخابي، وهو أيضاً السؤال الذي سيرثه رئيس الحكومة الذي سيأتي بعده.

