Accueilبالعربيةاتفاقية مكة للدفاع...

اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف قوة أم اعتراف سعودي بمرحلة القلق الاستراتيجي؟ -بقلم إسحاق هموش

من المظلة الأميركية إلى البحث عن مظلات متعددة: لماذا تحتاج الرياض إلى هذا الاتفاق الآن؟

لا يمكن فهم اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان إذا عُزلت عن التحولات العميقة التي أصابت البيئة الأمنية السعودية خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة التي بنت أمنها، منذ اللقاء التاريخي بين الملك عبد العزيز والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عام 1945، على علاقة استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، اكتشفت تدريجياً أن هذه العلاقة، على أهميتها، لم تعد تعني بالضرورة وجود ضمانة أميركية مطلقة بالتدخل العسكري في كل مرة يتعرض فيها الأمن السعودي للخطر. وقد شكّلت الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو في بقيق وخريص في سبتمبر/أيلول 2019 نقطة تحول نفسية واستراتيجية مهمة، لأن الهجوم أصاب قلب البنية النفطية للمملكة وأدى مؤقتاً إلى تعطيل نحو 5.7 ملايين برميل يومياً من الإنتاج، أي ما يقارب نصف الإنتاج السعودي آنذاك ونحو 5% من الإمدادات النفطية العالمية. ومع ذلك، لم تتحول الأزمة إلى تدخل عسكري أميركي واسع ضد إيران، وهو ما أرسل إلى الرياض رسالة يصعب تجاهلها: الشراكة مع واشنطن قوية، لكنها ليست بوليصة تأمين غير مشروطة.

منذ ذلك الوقت، بدأت السياسة الخارجية السعودية تتحرك بصورة أكثر براغماتية. رأينا الرياض تعيد فتح قنوات الحوار مع طهران، ثم تستأنف العلاقات الدبلوماسية معها بوساطة صينية في مارس/آذار 2023، وفي الوقت نفسه تحافظ على تعاونها الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة، وتعمق علاقاتها مع الصين، وتفتح مساحات أكبر للتعاون مع الهند وروسيا وتركيا وباكستان. هذه ليست سياسة استبدال حليف بحليف آخر بقدر ما هي سياسة توزيع للمخاطر. فالقيادة السعودية تريد ألا يصبح أمن المملكة مرهوناً بقرار يصدر من عاصمة واحدة.

من هنا تأتي أهمية اتفاق مكة. فهو يسمح للرياض بأن تضيف إلى علاقتها الأميركية شبكة ردع أخرى تجمعها بتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي من حيث عدد القوات، وبباكستان، القوة النووية الإسلامية الوحيدة وصاحبة أحد أكبر الجيوش في العالم. وعلى الورق، تبدو المعادلة جذابة للغاية: المال السعودي والموقع الجغرافي والثقل الديني، إلى جانب الصناعة الدفاعية والخبرة العملياتية التركية، ثم القوة البشرية والعسكرية والنووية الباكستانية.

لكن الحاجة إلى بناء هذه المظلة الجديدة تحمل في داخلها مفارقة واضحة. فالاتفاق الذي يُقدَّم باعتباره دليلاً على اتساع النفوذ السعودي يمكن قراءته أيضاً باعتباره اعترافاً بأن الرياض لم تعد مطمئنة تماماً إلى البيئة الأمنية التي اعتمدت عليها طوال عقود. فالدول لا تبحث عادة عن ضمانات إضافية إلا عندما تشعر بأن الضمانات الموجودة لم تعد كافية.

وهكذا يصبح اتفاق مكة، قبل أن يكون إعلان قوة، تعبيراً عن مرحلة جديدة من القلق الاستراتيجي السعودي.

باكستان: قوة نووية إلى جانب الرياض… ولكن هل ستقاتل إسلام آباد من أجل السعودية؟

وجود باكستان داخل اتفاق دفاع مشترك مع السعودية يمنح الرياض ورقة سياسية وعسكرية ثقيلة. فباكستان ليست دولة هامشية في المعادلات العسكرية الدولية، وإنما قوة نووية تمتلك جيشاً يتجاوز تعداده مئات الآلاف من العسكريين، وترسانة صاروخية وقدرات جوية وبرية مهمة، إضافة إلى خبرة طويلة في الحروب التقليدية ومكافحة التمرد والعمليات الحدودية. كما أن العلاقات السعودية الباكستانية ليست جديدة؛ فقد امتدت لعقود وشملت التعاون العسكري والتدريب والمساعدات الاقتصادية والطاقة والاستثمارات، إضافة إلى وجود علاقات وثيقة بين المؤسسات العسكرية في البلدين.

ولهذا فإن مجرد ظهور باكستان إلى جانب السعودية في اتفاق ينص على أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يُعتبر اعتداءً على الجميع يرفع مستوى الردع السياسي. فالخصم المحتمل للسعودية لم يعد، نظرياً على الأقل، مضطراً إلى حساب الرد السعودي وحده، وإنما عليه أن يفكر أيضاً في رد فعل دولتين كبيرتين مثل تركيا وباكستان.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من لغة الاتفاقيات إلى لغة الحرب.

باكستان لديها مصالح لا تقل أهمية عن علاقتها بالسعودية. الصين هي الشريك الاستراتيجي الأهم لإسلام آباد، وهناك مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني واستثمارات بمليارات الدولارات. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع باكستان تجاهل الولايات المتحدة، كما أنها تتشارك حدوداً طويلة وحساسة مع إيران، وتواجه مشاكل أمنية في إقليم بلوشستان، إضافة إلى التوتر التاريخي والمستمر مع الهند. ولذلك فإن دخولها حرباً إقليمية دفاعاً عن السعودية ليس قراراً بسيطاً يمكن اختزاله في مادة من مواد اتفاق دفاعي.

والتاريخ يقدم مثالاً بالغ الأهمية. ففي عام 2015، عندما بدأت السعودية عملياتها العسكرية في اليمن، كانت الرياض ترغب في الحصول على دعم باكستاني. لكن البرلمان الباكستاني تبنى قراراً يدعو إلى الحياد وعدم الانخراط في الحرب، رغم العلاقات الوثيقة جداً بين البلدين. كانت تلك لحظة كاشفة: الصداقة الاستراتيجية مع المملكة لم تكن كافية لدفع إسلام آباد إلى المشاركة في حرب رأت أنها قد تعرض مصالحها وعلاقاتها الإقليمية للخطر.

هذا المثال ينبغي أن يبقى حاضراً عند تقييم اتفاق مكة اليوم. فإذا تعرضت السعودية لهجوم بطائرات مسيرة أو صواريخ من جماعة مسلحة، قد يكون من السهل على باكستان إرسال خبراء أو أنظمة دفاعية أو معلومات استخباراتية. لكن ماذا لو اعتبرت الرياض أن إيران مسؤولة مباشرة عن الهجوم وقررت الرد على الأراضي الإيرانية؟ هل يصبح الجيش الباكستاني ملزماً بالدخول في المواجهة؟ وهل تستطيع إسلام آباد فتح جبهة مع دولة مجاورة لها بينما تواجه أصلاً تحديات أمنية واقتصادية كبيرة؟

ثم تأتي المسألة الأكثر حساسية: السلاح النووي الباكستاني. وجود دولة نووية في اتفاق دفاع مشترك مع السعودية يخلق بلا شك غموضاً استراتيجياً مفيداً للرياض، لكن من الخطأ القفز من ذلك إلى القول إن المملكة أصبحت تلقائياً تحت «مظلة نووية باكستانية». الردع النووي الممتد يحتاج إلى عقيدة واضحة وآليات قيادة وسيطرة والتزام سياسي ذي مصداقية بأن الدولة النووية مستعدة، في الظروف القصوى، للمخاطرة بنفسها من أجل الدفاع عن حليفها. وحتى الآن، لا توجد معطيات علنية كافية تسمح بالقول إن إسلام آباد قدمت للرياض ضمانة من هذا النوع.

وبالتالي، فإن باكستان تضيف ثقلاً كبيراً إلى الاتفاق، لكنها تضيف أيضاً سؤالاً أكبر: هل التحالف السعودي الباكستاني قوي إلى درجة أن إسلام آباد ستقبل بدفع ثمن عسكري وسياسي باهظ عندما يصبح أمن السعودية في مواجهة مباشرة مع مصالح باكستان نفسها؟

تركيا وأردوغان: شريك عسكري قوي ولكن سياسته الخارجية لا تعرف التحالفات الأبدية

تركيا هي الطرف الثاني الذي يمنح اتفاق مكة وزناً عسكرياً حقيقياً. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك جيشاً ضخماً، وقاعدة صناعية دفاعية تطورت بصورة لافتة خلال العقد الأخير. الطائرات المسيّرة التركية أصبحت إحدى أبرز صادرات الصناعات العسكرية التركية، كما توسعت أنقرة في إنتاج السفن الحربية والصواريخ والعربات المدرعة وأنظمة الحرب الإلكترونية، وتعمل على تطوير صناعات جوية أكثر استقلالاً. وتجارب الجيش التركي في سوريا والعراق وليبيا ومناطق أخرى منحت أنقرة خبرة عملياتية لا يمكن تجاهلها.

بالنسبة إلى السعودية، هناك فائدة واضحة من التقارب مع تركيا. الرياض تريد تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية ضمن رؤية 2030 وتقليل اعتمادها المطلق على السلاح الغربي، وتركيا تستطيع أن تقدم تكنولوجيا وخبرات وشراكات تصنيع بشروط مختلفة عن الشروط الأميركية والأوروبية.

لكن القوة العسكرية التركية لا تعني أن تركيا ستصبح حليفاً سعودياً غير مشروط.

السياسة الخارجية للرئيس رجب طيب أردوغان تقوم بدرجة كبيرة على البراغماتية والقدرة على إعادة التموضع. تركيا دخلت في مواجهات سياسية حادة مع الإمارات ثم أعادت بناء العلاقات معها. ومرت علاقاتها بالسعودية بمرحلة شديدة التوتر، خصوصاً بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018، قبل أن يعود الطرفان تدريجياً إلى المصالحة والتعاون الاقتصادي والسياسي. كما خاضت أنقرة سنوات من التوتر مع مصر قبل أن تعيد فتح صفحة جديدة معها.

هذا السلوك لا يعني بالضرورة أن تركيا «حليف غير موثوق». من منظور أنقرة، هو تعبير عن سياسة دولة تبحث عن مصالحها. لكنه يعني أن الرياض يجب ألا تفترض أن مصالح تركيا ستبقى متطابقة مع مصالحها في كل أزمة.

فإذا أصبحت الاستثمارات الإماراتية في تركيا، مثلاً، أكثر أهمية لأنقرة، أو إذا دخلت تركيا في تفاهم إقليمي جديد مع إيران، أو احتاج أردوغان إلى صفقة مع واشنطن أو شركائه في الناتو، فإن الحسابات التركية قد تتغير بسرعة. وحينها ستصبح صياغة الدفاع المشترك خاضعة لتفسير المصالح الوطنية التركية.

وهنا يكمن ضعف جوهري في الاتفاق: السعودية تريد ضمانة أمنية، بينما تركيا تريد هامش حركة. والفرق بين الاثنين قد لا يظهر في المؤتمرات والزيارات الرسمية، لكنه سيظهر فور وقوع أزمة حقيقية.

أبوظبي في خلفية المشهد: عندما تحولت الشراكة السعودية الإماراتية إلى منافسة على النفوذ

سيكون من الصعب قراءة اتفاق مكة بصورة كاملة من دون النظر إلى العلاقة بين السعودية والإمارات. فقد قدم البلدان لسنوات صورة محور خليجي متماسك، وخصوصاً خلال المرحلة الأولى من صعود محمد بن سلمان ومحمد بن زايد. لكن السنوات التالية أظهرت أن التقارب الشخصي والسياسي لا يلغي اختلاف المصالح بين دولتين تريد كل منهما أن تصبح مركزاً اقتصادياً وسياسياً وأمنياً رئيسياً في المنطقة.

ظهر الاختلاف بصورة واضحة في اليمن. فبينما ركزت السعودية على حماية حدودها ودعم بنية سياسية يمنية تستطيع التعامل معها، طورت الإمارات علاقات قوية مع قوى جنوبية ومحلية مختلفة، واهتمت بصورة خاصة بالموانئ والممرات البحرية والساحل الجنوبي وباب المندب. ومع الوقت، أصبحت خريطة الحلفاء السعوديين والإماراتيين داخل اليمن مختلفة في عدد من المناطق.

لكن المنافسة تتجاوز اليمن. الرياض تريد أن تتحول إلى المركز الاقتصادي الرئيسي في المنطقة، وأطلقت سياسات لجذب المقرات الإقليمية للشركات العالمية إلى السعودية. ودبي وأبوظبي، في المقابل، بنتا خلال عقود موقعاً متقدماً كمركز مالي وتجاري ولوجستي وسياحي عالمي. ولذلك أصبح هناك تنافس مباشر على الاستثمار والسياحة والطيران والموانئ والخدمات المالية والتكنولوجيا واستضافة الأحداث الدولية.

ضمن هذا السياق، يمكن النظر إلى اتفاق مكة أيضاً باعتباره رسالة قوة خليجية.

الإمارات بنت شبكة علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وفرنسا والهند والصين ودول أفريقية وقوى محلية وإقليمية متعددة. والسعودية تريد بدورها أن تظهر أنها قادرة على بناء شبكة استراتيجية مستقلة تجمع دولتين بحجم تركيا وباكستان.

الرسالة إلى أبوظبي ليست بالضرورة: «أنتم أعداؤنا».

إنها أكثر تعقيداً: السعودية تريد أن تقول إنها ليست بحاجة إلى الإمارات لكي تكون مركز الثقل الخليجي.

ومن هنا تصبح اتفاقية مكة جزءاً من المنافسة على القيادة الإقليمية، لا مجرد أداة لمواجهة خصم خارجي.

قطر والمنافسة على من يملك القرار والنفوذ في الخليج

الوضع مع قطر مختلف. فقد أنهت قمة العلا في يناير/كانون الثاني 2021 مرحلة الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر على الدوحة منذ عام 2017، وعادت العلاقات الدبلوماسية والتجارية إلى مسار أكثر طبيعية. ولذلك سيكون من المبالغة القول إن اتفاق مكة موجه ضد قطر بصورة مباشرة.

لكن انتهاء الحصار لم يلغ المنافسة.

قطر، رغم صغر مساحتها وعدد سكانها، استطاعت بناء نفوذ دولي واسع عبر الغاز الطبيعي المسال، والاستثمارات الخارجية، وشبكة الجزيرة، والعلاقات مع الولايات المتحدة وتركيا، والقدرة على لعب أدوار الوساطة في ملفات معقدة.

وهذا النموذج يطرح تحدياً رمزياً للسعودية. فالمملكة تعتبر نفسها، بحكم حجمها وموقعها ووجود مكة والمدينة وثقلها الاقتصادي والسياسي، القوة الطبيعية الرئيسية في شبه الجزيرة العربية.

لذلك فإن بناء إطار يجمع الرياض وأنقرة وإسلام آباد يحمل أيضاً معنى متعلقاً بالمكانة. فالسعودية تريد أن تكون الدولة التي تجمع القوى الإسلامية الكبيرة حولها، لا مجرد دولة خليجية كبيرة تعتمد على حماية واشنطن.

بهذا المعنى، لا تحتاج الاتفاقية إلى أن تكون موجهة ضد قطر حتى تكون جزءاً من المنافسة معها.

إنها منافسة على النفوذ والصورة والقدرة على صناعة الأحداث.

محمد بن سلمان والداخل السعودي: الأمن الخارجي كشرط لبقاء المشروع الاقتصادي

هناك جانب داخلي لا يقل أهمية عن الحسابات الخارجية. محمد بن سلمان لم يقدم نفسه منذ صعوده باعتباره مجرد ولي عهد يدير الدولة بالطريقة التقليدية، وإنما ربط اسمه بمشروع ضخم لإعادة تشكيل المملكة: رؤية 2030، نيوم، مشروع ذا لاين، القدية، البحر الأحمر، تطوير الرياض، السياحة والترفيه والرياضة العالمية واستضافة الأحداث الكبرى وتوسيع صندوق الاستثمارات العامة.

هذه المشاريع تحتاج إلى شيء واحد قبل كل شيء: الاستقرار.

المستثمر الأجنبي الذي يُطلب منه ضخ مليارات الدولارات في السعودية يريد أن يعرف أن منشآته ومشاريعه لن تصبح أهدافاً للصواريخ والطائرات المسيّرة. والسائح الذي تريد الرياض جذبه بالملايين يحتاج إلى الشعور بالأمان. والأسواق المالية تحتاج إلى الثقة بأن طرق الطاقة والموانئ والمطارات والمنشآت النفطية لن تتعرض بصورة متكررة لهجمات إقليمية.

لهذا أصبح الأمن بالنسبة لمحمد بن سلمان جزءاً من النموذج الاقتصادي نفسه.

لكن المشروع الاقتصادي السعودي مكلف للغاية. فالميزانية السعودية لعام 2026 قدرت الإنفاق بنحو 1.313 تريليون ريال مقابل إيرادات تقدر بنحو 1.147 تريليون ريال، بعجز يقارب 165 مليار ريال، أي نحو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

هذه الأرقام لا تعني أن السعودية تواجه انهياراً مالياً. المملكة لا تزال تملك احتياطيات وأصولاً هائلة وقدرة كبيرة على الاقتراض والاستثمار. لكنها تعني أن الموارد ليست بلا حدود، خصوصاً عندما تحاول الدولة في الوقت نفسه تمويل التحول الاقتصادي والمشاريع العملاقة والدفاع والبنية التحتية والرياضة والسياحة والاستثمارات الدولية.

ومن هنا يصبح الاستقرار الإقليمي ضرورة مالية وليس مجرد مسألة عسكرية.

تركيز السلطة والخصوم في الداخل: الوجه الآخر لمشروع محمد بن سلمان

إلى جانب الاقتصاد، هناك التحول السياسي الداخلي الذي شهدته المملكة منذ صعود محمد بن سلمان.

لقد قام ولي العهد بعملية واسعة لإعادة تركيز السلطة. وأصبحت القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية الرئيسية مرتبطة بصورة غير مسبوقة بمركز القرار حول ولي العهد.

وكانت حملة الريتز كارلتون في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 واحدة من أبرز محطات هذه العملية. فقد تم احتجاز أمراء ووزراء ورجال أعمال بارزين، وانتهت ملفات عدد منهم بتسويات مالية كبيرة ونقل أصول وأموال إلى الدولة. وقدمت السلطات السعودية العملية باعتبارها حملة لمكافحة الفساد، بينما أثارت الإجراءات المستخدمة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية بسبب طبيعة الاحتجاز وغياب الشفافية القضائية في العديد من الحالات.

كما شهدت المملكة اعتقالات لناشطين ورجال دين وشخصيات معارضة ومنتقدين، وهو ما وثقته منظمات حقوقية دولية خلال السنوات الماضية.

لكن ينبغي الحذر من الادعاء بأن محمد بن سلمان «مكروه من غالبية السعوديين»، لأن المملكة لا توجد فيها استطلاعات رأي سياسية مستقلة وحرة تسمح بإثبات هذا الاستنتاج علمياً. وهناك أيضاً شرائح، وخصوصاً بين الشباب، تنظر بإيجابية إلى بعض التحولات الاجتماعية والترفيهية والاقتصادية التي حدثت في عهده.

المشكلة الأعمق ليست في قياس شعبية الرجل، وإنما في طبيعة النظام الذي بناه.

كلما تركزت السلطة في يد شخص واحد، أصبح نجاح الدولة مرتبطاً أكثر بنجاح قرارات هذا الشخص، وأصبح فشل المشاريع الكبرى أو الأزمات الأمنية أو الاقتصادية أكثر ارتباطاً به شخصياً.

كما أن إضعاف مراكز القوى القديمة لا يعني بالضرورة اختفاء أصحابها أو مصالحهم.

وبالتالي، فإن الاستقرار الداخلي بالنسبة إلى محمد بن سلمان يرتبط أيضاً بقدرته على تقديم صورة قيادة ناجحة وقوية ومسيطرة وقادرة على حماية المملكة. واتفاق مكة يخدم هذه الصورة: ولي العهد يستطيع أن يقدم للسعوديين وللنخب الداخلية مشهداً تظهر فيه المملكة في مركز تحالف عسكري يجمع تركيا وباكستان حولها.

لكن الصورة الخارجية للقوة لا تلغي بالضرورة مصادر القلق في الداخل.

ثلاث دول وثلاثة مشاريع مختلفة: المشكلة البنيوية التي قد تهدد الاتفاق

ربما تكون هذه أهم نقطة في تقييم اتفاق مكة.

السعودية وتركيا وباكستان تمتلك كل منها أسباباً مختلفة تماماً للانضمام إلى الاتفاق.

السعودية تبحث قبل كل شيء عن الأمن والردع وتنويع التحالفات وحماية مشروعها الاقتصادي.

تركيا تبحث عن النفوذ والأسواق والاستثمارات السعودية وعقود الصناعات الدفاعية وتوسيع حضورها السياسي في الخليج والعالم الإسلامي.

أما باكستان فتحتاج إلى العلاقات الاقتصادية والاستثمارات والطاقة والمساعدات الخليجية، وتريد في الوقت نفسه المحافظة على مكانتها العسكرية والسياسية داخل العالم الإسلامي.

هناك إذاً مساحة مصالح مشتركة واسعة.

لكن المصالح المشتركة ليست هي المصير المشترك.

وهذه هي المشكلة التي تواجه كل تحالف عسكري عند وقوع الحرب.

ماذا يحدث إذا تعرضت السعودية لهجوم تعتبره إيران عملاً دفاعياً رداً على عملية سعودية سابقة؟

ماذا يحدث إذا كانت تركيا لا توافق على التفسير السعودي للأزمة؟

ماذا يحدث إذا رأت باكستان أن التدخل سيهدد حدودها وعلاقتها بطهران؟

من يقرر أن المادة المتعلقة بالدفاع المشترك قد أصبحت سارية؟

هل يكفي أن تقول الرياض إنها تعرضت للعدوان؟

هل يجب أن توافق أنقرة وإسلام آباد على تعريف المعتدي؟

وماذا عن الجماعات المسلحة غير الحكومية؟

إذا نفذت جماعة مرتبطة بإيران هجوماً من اليمن أو العراق، فهل يعتبر ذلك هجوماً إيرانياً؟

وماذا عن الهجمات السيبرانية؟

وماذا عن العمليات البحرية؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلية. إنها جوهر أي نظام دفاع جماعي.

لماذا لا يمكن مقارنة اتفاق مكة بحلف الناتو حتى الآن؟

قد يكون من المغري إعلامياً وصف الاتفاق بأنه بداية «ناتو إسلامي»، لكن المقارنة سابقة لأوانها.

قوة حلف شمال الأطلسي لا تأتي فقط من المادة الخامسة التي تعتبر الهجوم على عضو هجوماً على الحلف، وإنما من بنية مؤسساتية وعسكرية ضخمة بنيت على مدى أكثر من سبعة عقود.

هناك قيادة عسكرية مشتركة، ومراكز قيادة، وتخطيط عملياتي، وتدريبات منتظمة، ومعايير تقنية مشتركة، وتبادل استخباراتي، وأنظمة اتصال، وقواعد عسكرية، وقوات مخصصة وخطط مسبقة للتعامل مع سيناريوهات الحرب.

أما اتفاق مكة، فالسؤال هو: ماذا يوجد خلف العبارة السياسية؟

إذا أرادت الدول الثلاث تحويله إلى تحالف عسكري حقيقي، فستحتاج إلى بناء مؤسسات مشتركة وتحديد سلسلة القيادة وقواعد الاشتباك وآليات اتخاذ القرار والتمويل وتبادل المعلومات وتوزيع المسؤوليات.

وهنا قد تظهر المشاكل.

هل تقبل تركيا، العضو في الناتو وصاحبة الجيش الأقوى بين الدول الثلاث من الناحية العملياتية، بقيادة سعودية؟

هل تقبل باكستان وضع جزء من قدراتها العسكرية تحت هيكل قيادة مشترك؟

ومن ستكون له الكلمة الأخيرة في الحرب؟

هذه الأسئلة ستحدد القيمة الحقيقية للاتفاق أكثر من النصوص الاحتفالية التي رافقت توقيعه.

اتفاق مكة كرسالة متعددة الاتجاهات: إلى إيران وأميركا والإمارات والداخل السعودي

القوة السياسية الحقيقية للاتفاق ربما تكمن في قدرته على إرسال عدة رسائل في الوقت نفسه.

إلى إيران، الرسالة واضحة: مهاجمة السعودية قد تصبح أكثر تكلفة إذا كانت الرياض قادرة على استدعاء دعم قوتين عسكريتين كبيرتين.

إلى الولايات المتحدة، الرسالة أكثر دقة: المملكة لا تريد التخلي عن الشراكة الأميركية، لكنها تريد أن تقول لواشنطن إن لديها خيارات وإنها لن تقبل بأن يبقى أمنها معتمداً بصورة كاملة على القرار الأميركي.

إلى الإمارات، الرسالة تتعلق بالقيادة الخليجية: السعودية تستطيع هي الأخرى بناء شبكاتها الخاصة وإقامة علاقات استراتيجية خارج الإطار الخليجي التقليدي.

إلى قطر، الرسالة مرتبطة بالمكانة والنفوذ: الرياض تريد استعادة صورة الدولة التي تستطيع جمع قوى إسلامية كبيرة حول مشروع تقوده هي.

أما إلى الداخل السعودي، فالرسالة هي أن المملكة ليست معزولة وأن محمد بن سلمان يستطيع بناء شبكة دولية لحماية الدولة ومشروعها الاقتصادي.

وبالتالي، فإن اتفاق مكة يؤدي وظيفة سياسية حتى قبل أن يطلق جندي تركي أو باكستاني رصاصة واحدة دفاعاً عن السعودية.

لكن هذا أيضاً مصدر ضعفه.

فالتحالف الذي تكون قيمته الأساسية في الرسالة السياسية يحتاج في النهاية إلى إثبات أن وراء الرسالة قدرة عسكرية وإرادة سياسية حقيقية.

الخاتمة: هل اشترت السعودية تحالفاً… أم اشترت وقتاً وخيارات؟

اتفاقية مكة ليست اتفاقاً بلا أهمية، كما أن وصفها بأنها مجرد استعراض إعلامي سيكون تبسيطاً غير دقيق. السعودية تحصل من خلالها على مكاسب حقيقية: توسيع التعاون العسكري مع تركيا وباكستان، تنويع مصادر السلاح والخبرة والتكنولوجيا، زيادة الغموض أمام الخصوم، وتعزيز موقعها التفاوضي تجاه الولايات المتحدة وإيران وحتى شركائها ومنافسيها في الخليج.

لكن الاتفاق لا يلغي حقائق الجغرافيا والسياسة.

تركيا ستبقى دولة لها مصالحها الخاصة وعلاقاتها مع الناتو والولايات المتحدة والإمارات وإيران وروسيا.

وباكستان ستبقى دولة نووية مرتبطة استراتيجياً بالصين، وفي الوقت نفسه مضطرة إلى إدارة علاقتها مع الولايات المتحدة والهند وإيران وحدودها ومشكلاتها الداخلية.

والسعودية نفسها ستبقى، رغم سياسة تنويع التحالفات، مرتبطة بصورة عميقة بالنظام الأمني والمالي والاقتصادي الغربي.

لذلك ربما لا يكون اتفاق مكة ولادة تحالف عسكري يشبه الناتو بقدر ما يكون تعبيراً عن فلسفة سعودية جديدة: لا تثق بضامن واحد، ولا تضع أمنك في يد عاصمة واحدة، وابنِ أكبر عدد ممكن من الخيارات قبل وصول الأزمة.

ومن هذه الزاوية، يبدو محمد بن سلمان وكأنه لا يبحث فقط عن حلفاء، بل عن هامش أمان يسمح له بحماية مشروع سياسي واقتصادي أصبح ضخماً إلى درجة أن أي اضطراب إقليمي كبير قد تكون تكلفته هائلة.

لكن التحالفات لا تختبر في القصور، ولا في الصور الجماعية، ولا في البيانات الختامية.

إنها تختبر عندما تصبح كلفة الوفاء بها أعلى من كلفة التخلي عنها.

وعند أول هجوم كبير على الأراضي السعودية، لن يكون السؤال الحقيقي ماذا كُتب في اتفاق مكة، وإنما ماذا ستفعل أنقرة وإسلام آباد عندما تتلقى كل منهما اتصالاً من الرياض يطلب منها الانتقال من التضامن السياسي إلى الالتزام العسكري.

فهل نجح محمد بن سلمان فعلاً في بناء مظلة دفاعية جديدة للمملكة، أم أن اتفاق مكة ليس سوى شبكة مصالح ستبقى متماسكة ما دامت السماء صافية، ثم تبدأ خيوطها بالتفكك عند أول عاصفة حقيقية؟

Annonce publicitairespot_img

Catégories