استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم الإثنين 17 ماي وزير العد الفرنسي جيرالد دارمانان، في زيارة أثارت اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة في ظل التوترات العميقة التي طبعت العلاقات بين الجزائر وفرنسا خلال الأشهر الأخيرة. وقد أكد الوزير الفرنسي عقب اللقاء أنه ناقش مع الرئيس الجزائري “الوسائل الكفيلة بإصلاح العلاقات بين البلدين”، في تصريح يحمل دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارة
العلاقات الجزائرية الفرنسية تمر منذ سنوات بحالة من المد والجزر، لكن الأزمة الأخيرة بدت أكثر تعقيدًا وحدة، نتيجة تراكم ملفات تاريخية وأمنية وسياسية وهوياتية. فقد شهدت الأشهر الماضية تصعيدًا غير مسبوق في الخطاب السياسي والإعلامي بين الجانبين، خاصة بعد تصريحات فرنسية مرتبطة بملف الذاكرة الاستعمارية، والهجرة، والتأشيرات، إضافة إلى التباينات حول قضايا إقليمية حساسة في منطقة الساحل وشمال إفريقيا
زيارة جيرالد دارمانان إلى الجزائر لا يمكن قراءتها بمعزل عن محاولة باريس إعادة بناء جسور التواصل مع السلطات الجزائرية، خصوصًا بعد أن أدركت فرنسا أن استمرار القطيعة السياسية يهدد مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. فالجزائر تبقى فاعلًا محوريًا في ملفات الأمن والطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب، كما أنها تمتلك وزنًا دبلوماسيًا متزايدًا في إفريقيا والمتوسط
من جهة أخرى، يبدو أن الجزائر نفسها تدرك أن القطيعة الكاملة مع فرنسا ليست خيارًا واقعيًا، رغم تصاعد الخطاب السيادي والانتقادات الشعبية تجاه باريس. فالعلاقات الاقتصادية والإنسانية والثقافية بين البلدين ما تزال عميقة ومعقدة، في ظل وجود جالية جزائرية ضخمة في فرنسا، وتشابك المصالح التجارية والجامعية واللغوية
لكن السؤال الأساسي يبقى: هل نحن أمام مصالحة حقيقية أم مجرد تهدئة ظرفية؟ العديد من المراقبين يرون أن الأزمة بين البلدين أعمق من أن تُحل عبر زيارة رسمية أو تصريحات دبلوماسية. فملفات الذاكرة والاستعمار والهجرة والتدخلات السياسية المتبادلة ما تزال تمثل قنابل مؤجلة داخل العلاقة الثنائية
في المقابل، هناك من يعتبر أن البراغماتية السياسية بدأت تفرض نفسها على الطرفين. فرنسا، التي تواجه تراجع نفوذها التقليدي في إفريقيا، تحتاج إلى شريك إقليمي قوي مثل الجزائر، بينما تسعى الجزائر إلى تنويع شراكاتها الدولية دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع قوة أوروبية مؤثرة مثل فرنسا
اللافت أيضًا أن زيارة وزير العدل الفرنسي جاءت في توقيت إقليمي ودولي حساس، حيث تشهد منطقة المتوسط تحولات جيوسياسية متسارعة، سواء على مستوى الطاقة أو الأمن أو إعادة رسم التحالفات. وهو ما يجعل أي تقارب جزائري فرنسي محتمل يحمل أبعادًا تتجاوز العلاقة الثنائية التقليدية
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت اللقاء، إلا أن الشارع الجزائري ما يزال ينظر بحذر إلى أي تقارب مع باريس، بسبب الإرث الاستعماري الثقيل وغياب اعتذار فرنسي رسمي واضح عن جرائم الماضي. كما أن جزءًا من النخبة الفرنسية لا يزال يتعامل مع الجزائر بمنطق متعالٍ يثير حساسيات متكررة داخل المؤسسة الجزائرية
في النهاية، قد تكون زيارة جيرالد دارمانان بداية لمسار تهدئة جديد بين باريس والجزائر، لكنها بالتأكيد ليست نهاية الأزمة. فالعلاقة بين البلدين تحتاج إلى إعادة بناء عميقة تقوم على الاحترام المتبادل، والوضوح السياسي، والتعامل الصريح مع ملفات التاريخ والذاكرة، بعيدًا عن الحسابات الظرفية والخطابات الشعبوية

