AccueilActualitésالإمارات العربية المتحدة…...

الإمارات العربية المتحدة… هندسة النفوذ عبر الجسور والانفاق وبناء شرق أوسط جديد


في زمن تتراجع فيه كثير من الدول إلى منطق الانكفاء، اختارت أن تسلك مساراً معاكساً تماماً: التمدد الهادئ عبر الاقتصاد، وبناء النفوذ عبر البنية التحتية، وصياغة السلام من خلال الترابط لا الشعارات. لم تعد القوة تُقاس فقط بالجيوش، بل بقدرة الدول على ربط الجغرافيا ببعضها، وتحويل الحدود إلى نقاط عبور لا إلى خطوط فصل. وهنا تحديداً، تبرز الإمارات كقوة إقليمية تعيد رسم الخريطة، لا بالحروب، بل بالمشاريع

في هذا الإطار، يكتسب المشروع الاستراتيجي بين الإمارات و في مجال السكك الحديدية أهمية تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر. نحن لا نتحدث عن مجرد خط لنقل البضائع أو المسافرين، بل عن شريان جديد يعيد تموضع الأردن داخل المعادلة الإقليمية. هذا المشروع، المدعوم برؤية إماراتية واضحة، يهدف إلى تحويل الأردن إلى منصة لوجستية تربط الخليج ببلاد الشام، وتفتح ممرات جديدة نحو الأسواق العالمية عبر ميناء العقبة

لكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن السياق الأوسع ستكون قراءة ناقصة. فالإمارات لا تتحرك بشكل ظرفي، بل وفق استراتيجية متكاملة تقوم على بناء شبكة إقليمية من الممرات الاقتصادية، تمتد عبر البر والبحر، وتعيد تشكيل تدفقات التجارة والطاقة

في ، على سبيل المثال، يتجسد هذا التوجه في مشاريع الربط البري واللوجستي، وفي التكامل المتزايد بين الموانئ، بما يعزز من موقع البلدين كبوابتين استراتيجيتين على المحيط الهندي والخليج. كما أن مشاريع الطرق العابرة للحدود، وتطوير المناطق الحرة، تمثل جزءاً من رؤية أوسع لتحويل المنطقة إلى فضاء اقتصادي متكامل

ولا يمكن إغفال مشروع السكك الحديدية الخليجية، الذي تسعى الإمارات إلى أن تكون في قلبه، عبر ربط شبكتها الوطنية بشبكات الدول المجاورة، بما يخلق ممراً اقتصادياً ضخماً يربط الخليج ببعضه البعض، ويمتد لاحقاً نحو العراق وربما تركيا. هذا الطموح لا يتعلق فقط بالنقل، بل بإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة

أما في مجال “الأنفاق” بالمعنى الاستراتيجي، فالإمارات لا تبني فقط بنية تحتية مادية، بل تبني أيضاً ما يمكن تسميته بـ”أنفاق الثقة” بين الدول: قنوات تعاون عميقة تتجاوز الخلافات السياسية، وتؤسس لعلاقات قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار طويل الأمد. هذه الفلسفة تتجلى في سياساتها القائمة على التسامح، والانفتاح، وتعزيز ثقافة التعايش، وهي عناصر أصبحت جزءاً من قوتها الناعمة

كما أن حضور الإمارات في مشاريع الطاقة، من الربط الكهربائي إلى الاستثمار في الطاقات المتجددة، يعزز هذا الدور. فالتعاون مع دول مثل الأردن ومصر في مجالات الطاقة والنقل يندرج ضمن رؤية متكاملة لخلق فضاء اقتصادي مستقر ومترابط

إن ما تقوم به الإمارات اليوم هو إعادة تعريف لمفهوم النفوذ في الشرق الأوسط. لم يعد النفوذ يُفرض، بل يُبنى. ولم يعد يُقاس بالسيطرة، بل بالقدرة على الربط. وفي هذا السياق، يصبح مشروع السكك الحديدية في الأردن أكثر من مجرد استثمار: إنه جزء من شبكة أوسع، من رؤية تسعى إلى تحويل المنطقة من ساحة صراع إلى مساحة تعاون

قد لا تكون هذه التحولات صاخبة، لكنها عميقة. وقد لا تُحدث ضجيجاً سياسياً، لكنها تُحدث أثراً استراتيجياً طويل المدى. وبين الجسور التي تُبنى، والطرق التي تُشق، والأنفاق التي تُحفر، تتشكل ملامح شرق أوسط جديد… شرق أوسط تقوده دولة فهمت مبكراً أن المستقبل يُبنى بالربط لا بالقطيعة

وفي قلب هذه المعادلة، تقف الإمارات، لا كدولة تبحث عن دور، بل كقوة ترسمه

Annonce publicitairespot_img

Catégories

Annonce publicitairespot_img