في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع السياسية، برزت تصريحات معالي الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي، كواحدة من أكثر المقاربات وضوحًا وصراحة في قراءة المرحلة الراهنة. ولا يمكن التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرد مواقف إعلامية، بل هي تعبير عن رؤية استراتيجية عميقة، صادرة عن شخصية تمتلك خبرة طويلة في قضايا الأمن والفكر والسياسات الإقليمية
الدكتور النعيمي ليس فقط مسؤولًا سياسيًا، بل هو أيضًا أحد الأصوات الفكرية المؤثرة في فهم التحديات المرتبطة بالتطرف، وببناء الاستقرار في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تأتي تصريحاته محمّلة بدلالات تتجاوز اللحظة، لتلامس جوهر التحولات الجارية في الشرق الأوسط.
حين يؤكد أن دولة الإمارات تعتمد على نفسها في مواجهة التحديات، فهو لا يطرح شعارًا سياسيًا بقدر ما يعكس تحولًا في فلسفة الدولة، يقوم على الاستقلالية في القرار، والقدرة على الفعل، وعدم الارتهان لتوازنات خارجية متقلبة. هذا الطرح يعكس إدراكًا عميقًا بأن طبيعة التهديدات الراهنة لم تعد تسمح بالاعتماد الكامل على التحالفات التقليدية، بل تتطلب بناء قدرة ذاتية على الردع والمبادرة
أما حديثه عن “إنجاز سياسي” مرتقب، فهو يحمل في طياته بعدًا استباقيًا لمرحلة ما بعد التصعيد. فالتجربة الإماراتية في السنوات الأخيرة أظهرت قدرة على الجمع بين الحسم العسكري والتحرك الدبلوماسي، وهو ما يشير إلى أن هذا “الإنجاز” قد لا يكون مجرد تسوية ظرفية، بل جزءًا من إعادة هندسة المشهد الإقليمي، سواء عبر ترتيبات أمنية جديدة أو عبر إعادة تعريف قواعد الاشتباك
وفي قراءته لبيان وزارة الخارجية الإماراتية بشأن وقف إطلاق النار، يبرز النعيمي نقطة جوهرية تتعلق بموقع الإمارات في المعادلة الدولية. فهو يعتبر أن هذا البيان لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل خطوة استراتيجية وضعت الدولة في موقع “الشريك الفاعل” في تحقيق الأمن والاستقرار، وهو توصيف يعكس انتقال الإمارات من موقع التأثر بالأحداث إلى موقع التأثير فيها
غير أن العنصر الأكثر حساسية في تصريحاته يتمثل في توصيفه للهدنة الحالية كـ”فرصة” أمام القيادات الإيرانية الجديدة، مع طرح خيارين واضحين: إما التكيف مع المتغيرات الجديدة، أو مواجهة مصير مشابه لقيادات سابقة. هذا الطرح يعكس انتقالًا من لغة التحفظ إلى لغة الضغط السياسي المباشر، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في القدرة على التأثير في مسار الأحداث
لكن هذه المقاربة، رغم وضوحها، تطرح بدورها تساؤلات استراتيجية. فهل يمكن فعلاً أن تدفع الضغوط السياسية إيران إلى إعادة تموضع جذري في سياستها الإقليمية؟ أم أن هذه الضغوط قد تدفعها إلى مزيد من التشدد، خاصة في ظل طبيعة النظام الإيراني وتركيبته المعقدة؟
من جهة أخرى، فإن قراءة النعيمي للهدنة كأداة سياسية وليس كنهاية للصراع تتقاطع مع فهم أوسع لطبيعة النزاعات الحديثة. فالهدنات لم تعد تعني إنهاء الصراعات، بل أصبحت جزءًا من إدارتها، تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق، وإعادة توزيع الأدوار، واختبار مواقف الأطراف المختلفة
في هذا السياق، تبدو الإمارات وكأنها تسعى إلى لعب دور مركزي في صياغة المرحلة المقبلة، ليس فقط من خلال المواقف السياسية، بل من خلال تقديم نفسها كنموذج للاستقرار والانفتاح، وكشريك قادر على الجمع بين الحزم والواقعية
وما يميز طرح الدكتور علي راشد النعيمي هو أنه لا ينطلق من منطق رد الفعل، بل من رؤية استباقية تسعى إلى فهم اتجاهات التحول، والتأثير فيها. وهذه المقاربة تعكس نضجًا سياسيًا وفكريًا، يعزز من مكانة الإمارات كفاعل استراتيجي في المنطقة
في نهاية المطاف، تكشف هذه التصريحات أن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل مرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى في الشرق الأوسط. والإمارات، من خلال هذا الخطاب، تضع نفسها في قلب هذه التحولات، ليس كمراقب، بل كصانع للمعادلة
ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه المقاربة في تحويل الهدنة إلى فرصة حقيقية لإعادة الاستقرار، أم أنها مجرد محطة في مسار تصعيد مؤجل؟
في كلتا الحالتين، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، عنوانها إعادة تعريف القوة، وإعادة توزيع الأدوار، في عالم لم يعد يعترف بالثوابت القديمة


